الجاحظ
141
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
جاء كلمع البرق جاش ناظرة * يسبح أولاه ويطفو آخره فما يمس الأرض منه حافره قوله : جاش ناظره ، أي جاش بمائه . وناظر البرق : سحابه . يسبح ، يعني يمد ضبعيه ، فإذا مدهما علا كفله . وقال الآخر : إن سرك الأهون فابدأ بالأشد وقال العجّاج : مكّن السيف إذا السيف انأطر * من هامة الليث إذا ما الليث هر كجمل البحر إذا خاض جسر * غوارب اليمّ إذا اليم هدر حتى يقال حاسر وما حسر قالوا : جمل البحر سمكة طولها ثلاثون ذراعا . يقول : هذا الرجل يبعد كما تبعد هذه السمكة بجسارة ، لا يردها شيء ، حتى يقال كاشف وما انكشف البحر . يقال : البحر حاسر وجازر . يقول : حتى يحسب الناس من ضخم ما يبدو من هذا الجمل ، أن الماء قد نضب عنه ، وإن البحر حاسر . وقال آخر : يا دار قد غيّرها بلاها * كأنما بقلم محاها أخربها عمران من بناها * وكرّ ممساها على مغناها وطفقت سحابة تغشاها * تبكي على عراصها عيناها قوله : أخربها عمران من بناها ، يقول : عمّرها بالخراب . وأصل العمران مأخوذ من العمر ، وهو البقاء ، فإذا بقي الرجل في داره فقد عمرها . فيقول : إن مدة بقائه فيها وقام مقام العمران في غيرها ، سمي بالعمران . وقال الشاعر : يا عجّل الرحمن بالعذاب * لعامرات البيت بالخراب يعني الفار . يقول : هذا عمرانها ، كما يقول الرجل : « ما نرى من خيرك ورفدك ، إلا ما يبلغنا من خطبك علينا ، وفتّك في أعضادنا » .