الجاحظ
126
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وقال الخريمي في تشادق علي بن الهيثم : يا علي بن هيثم يا سماقا * قد ملأت الدنيا علينا نفاقا خل لحييك يسكنان ولا تضرب * على تغلب بلحييك طاقا لا تشادق إذا تكلمت واعلم * أن للناس كلهم أشداقا وكان علي بن الهيثم جوادا ، بليغ اللسان والقلم . وقال أبو يعقوب الخريمي : ما رأيت كثلاثة رجال يأكلون الناس أكلا حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الملح في الماء ، والرصاص في النار : كان هشام بن محمد علامة نسابة ، وراوية للمثالب عيابة ، فإذا رأى الهيثم بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص في النار . وكان علي بن الهيثم مفقعا نيا صاحب تفقيع وتقعير ، ويستولي على كلام أهل المجلس لا يحفل بشاعر ولا بخطيب ، فإذا رأى موسى الضبي ذاب كما يذوب الرصاص عند النار . وكان علوية المغني واحد الناس في الرواية وفي الحكاية ، وفي صنعة الغناء وجودة الضرب ، وفي الإطراب وحسن الحلق ، فإذا رأى مخارقا ذاب كما يذوب الرصاص عند النار . ثم رجع بنا القول إلى ذكر التشديق وبعد الصوت . قال أبو عبيدة : كان عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب ، رديفا للملوك ، ورحّالا إليهم ، وكان يقال له عروة الرحال ، فكان يوم أقبل مع ابن الجون ، يريد بني عامر ، فلما انتهى إلى واردات مع الصبح ، قال له عروة : إنك قد عرفت طول صحبتي لك ، ونصيحتي إياك ، فأذن لي فأهتف بقومي هتفة . قال : نعم ، وثلاثا . فقام فنادى : يا صباحاه ! ثلاث مرات . قال : فسمعنا شيوخنا يزعمون أنه أسمع أهل الشعب ، فتلببوا للحرب ، وبعثوا الربايا ، ينظرون من أين يأتي القوم . قال : وتقول الروم : لولا ضجة أهل رومية وأصواتهم ، لسمع الناس جميعا صوت وجوب القرص في المغرب .