الجاحظ

117

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

أرض تخيّرها لطيب مقيلها * كعب بن مامة وابن أمّ دواد جرت الرياح على محلّ ديارهم * فكأنهم كانوا على ميعاد فأرى النعيم وكلّ ما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد وقال أبو الحسن : خطب عبيد اللّه بن الحسن « 1 » على منبر البصرة في العيد وأنشد في خطبته : أين الملوك عن حظّها غفلت * حتى سقاها بكأس الموت ساقيها تلك المدائن بالآفاق خالية * أمست خلاء وذاق الموت بانيها قال : وكان مالك بن دينار يقول في قصصه : « ما أشد فطام الكبير » . وهو كما قال القائل : وتروض عرسك بعد ما هرمت * ومن العناء رياضة الهرم ومثله أيضا قول صالح بن عبد القدوس : والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إلى جهله * كذي الضنى عاد إلى نكسه وقال كلثوم بن عمرو العتابيّ : وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى * بلغت بأدنى نعمة تستديمها ولكن فطام النفس أثقل محملا * من الصخرة الصماء حين ترومها [ جهارة الصوت والتشديق في الخطب ] وكانوا يمدحون الجهير الصوت ، ويذمون الضئيل الصوت ، ولذلك تشادقوا في الكلام ، ومدحوا سعة الفم ، وذموا صغر الفم .

--> ( 1 ) عبيد اللّه بن الحسن العنبري البصري قاضي وفقيه ومحدث توفي في البصرة عام 168 ه .