الجاحظ

116

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

قال الهيثم بن عديّ : قال عمران بن حطّان : إن أول خطبة خطبتها ، عند زياد - أو عند ابن زياد - فأعجب بها الناس ، وشهدها عمي وأبي . ثم إني مررت ببعض المجالس ، فسمعت رجلا يقول لبعضهم : هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن . وأكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء من الشعر ولا يكرهونه في الرسائل ، إلا أن تكون إلى الخلفاء . وسمعت مؤمّل بن خاقان ، وذكر في خطبته تميم بن مرّ ، فقال : « إن تميما لها الشرف العود ، والعز الأقعس ، والعدد الهيضل « 1 » . وهي في الجاهلية القدام ، والذروة والسنام . وقد قال الشاعر : فقلت له وأنكر بعض شأني * ألم تعرف رقاب بني تميم وكان المؤمّل وأهله يخالفون جمهور بني سعد في المقالة ، فلشدة تحدّبه على سعد وشفقته عليهم ، كان يناضل عند السلطان كل من سعى على أهل مقالتهم ، وإن كان قوله خلاف قولهم ، حدبا عليهم . وكان صالح المريّ ، القاص العابد ، البليغ ، كثيرا ما ينشد في قصصه وفي مواعظه ، هذا البيت : فبات يروّي أصول الفسيل * فعاش الفسيل ومات الرجل وأنشد الحسن في مجلسه ، وفي قصصه وفي مواعظه : ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء وأنشد عبد الصمد بن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي ، الخطيب القاص السجاع ، إما في قصصه ، وإما في خطبة من خطبه ، رحمه اللّه :

--> ( 1 ) العز الأقعس : المنيع . الهيضل : الكثير .