يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
165
بهجة المجالس وأنس المجالس
فقسم ما جاء به في الناس ، فقالوا : ما رأينا أحقّ بالملك من هذا ؟ فملكوه . فلم ضرب له ملكه بجرانه ، قال لهم يوما : موعدكم ثالثة فمن استأخر بعدها منكم فليمش إلى خشبته ، فغزا الشام ، فذلك حين قتل ، وخرّب بيت المقدس وانتزع حليته وحملها ، وجعل يشرب فيها الخمور وخوانا يأكل عليها الخنازير ، وحمل التوراة معه ثم ألقاها في النار ، وقديم فيما قدم بمائة وصيف منهم دانيال وعزير ، وكان يقال له عزريا ، وحنانيا وميشائيل ، فقال لإنسان : أصلح لي أجسام هؤلاء ، لعلى أختار منهم أربعة يخدموننى . فقال دانيال لأصحابه : اعلموا أنهم إنما نصروا عليكم بما غيرتم من دين آبائكم . لا تأكلوا لحم الخنزير ، ولا تشربوا الخمور . فقالوا للذي يصلح أجسامهم : هل لك أن تطعمنا طعاما هو أهون عليك في المئونة ممّا تطعم أصحابنا ، فإن لم نسمن قبلهم أكثر من سمنهم رأيت رأيك ؟ قال : ما ذا ؟ قالوا : خبز الشّعير والكرّاث . ففعل ، فسمنوا قبل أصحابهم . فأخذهم بخت نصّر يخدمونه . قال : فبينما هو كذلك إذ رأى بخت نصّر رؤيا ، فجلس ثم نسيها ، ثم عاد فرآها ، ففزع فقام من نومه ، ثم عاد فرقد فرآها ، فخرج إلى الحجر فنسيها ، فلما أصبح . دعا العلماء والكهّان ، فقال : أخبروني بشئ رأيت البارحة ، وإذا أخبرتموني بما رأيت . فاوّلوا لي رؤياي ، وإلّا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته ، موعدكم ثلاث . فقالوا : هذا خبر قد أظلنا منه بلاء ، فكيف بالنجاة منه ، فجعل دانيال يقول كلّما مرّ به رجل من رجاله : لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأوّلت ذلك . فجعلوا يقولون : ما أحمق هذا الغلام الاسرائيلىّ ! إلى أن مرّ به كهل فقال ذلك له ،