يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

164

بهجة المجالس وأنس المجالس

إلّا وهو يقول لأهله : ما يمنعكم أن تغزوا بابل مع كثرة ما أرى معكم من الخيل والرّجل ، فلو غزوتموها لأصبتم بها المال والعيال . قالوا : فلا نحسن القتال ولا نعرفه ، حتى استنفد « 1 » مجالس أهل الشام ، ثم رجع إلى الطّليعة ولم ينل منهم كثير نيل لما رأى ، وجعل بخت نصّر يقول لمن يلج على الملك : لو دعاني الملك لأخبرته غير ما يخبره فلان - يعنى الطليعة - فرفع ذلك إليه ، فدعاه ، فأخبره الخبر ، وقال : إن فلانا لما رآها أكثر أرض اللّه خيلا ورجلا حسبهم أجلد الناس ، فكسر ذلك في ذرعه ، ولم يسألهم عن شيء ، وإنّى لم أدع مجلسا بالشام إلّا جالست أهله ، فقلت لهم كذا فقالوا لي كذا ، فقال الطليعة لبخت نصّر بعد خروجه من عند الملك : فضحتني أيّها الرجل ، فهل لك في مائة ألف تأخذها وتنزع عما قلت ؟ قال : لو أعطيتني بيت « 2 » مال بابل لما نزعت . ثم إن الدهر ضرب ضربه ، وقال الملك : لو بعثنا جريدة خيل إلى الشّام ، فإن وجدوا مساغا ساغوا ، وإلا انتهبوا ما قدروا عليه ؟ قالوا : فما ضرّك لو فعلت ؟ قال : فمن ترون ؟ قالوا : فلان أو فلان . قال لهم : بل الرجل الذي أخبرني بما أخبر . فدعا بخت نصّر ، فأرسله وأرسل معه أربعة آلاف من فرسانهم ، فانطلقوا فجلسوا خلال الديار ، فسبوا ما شاءوا وخربوا « 3 » ولم يقتلوا ، ورمى في جنازة سيحون فمات ، فقالوا : استخلفوا رجلا . فقالوا : على رسلكم حتى يأتي أصحابكم من وجهتهم ، فأمهلوا حتى جاء بخت نصر « 4 »

--> ( 1 ) في تاريخ الطبري : أنفذ . ( 2 ) في ح ، ا : ثلث ، وما هنا موافق للطبري . ( 3 ) في الطبري : ما شاء اللّه ولم يخربوا . ( 4 ) فيه أيضا : حتى جاء بختنصر بالسبى وما معه .