يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

160

بهجة المجالس وأنس المجالس

والمرافقة ، وكان فيه مع ذلك فهم وعلم ، وكان من أبناء القبط الأولين ، وكان يخبرني عن مصر وأهلها في القديم ، وعن عجائبها وطلّسماتها وملوكها ، وخبر بخت نصّر وكيف دخل البلد وأخذه « 1 » بالحيلة التي تمت له حتى وصل إليه وما كان بعد ذلك ، ولم نزل في أنس إلى أن دخلنا مصر ، فلم نكن نمرّ بموضع ولا دير إلّا تلقونا بالإكرام والجميل ، وعدّينا النيل ، وسرنا حتى دخلنا الإسكندرية ، فأنزلنى عنده وأتاه جماعة من أهله وذوى قرابته وجماعة من وجوه أهل البلد ، وكان مقدما عندهم ، فسلّموا عليه وهنئوه بالسّلامة وقضوا حوائجه وأكرموه وأتحفوه ، ولم يكن يدخل إليه أحد من أهله وغيرهم إلّا أخبرهم « 2 » بخبري ، وأنى خلّصته من العطش بما كان معي من الماء ، وأنى آثرته على نفسي ، وخبرهم بما كان من أمر الثعبان . فما منهم أحد إلّا برّنى وأكرمني . واجتمعت لي دنانير كثيرة ، ووجّه أقاربه « 3 » وباع منهم ومن غيرهم البضاعة التي كانت معي ، وأفضلت فيها فضلا كثيرا ، وأقمت أكثر من شهر وأنا أطوّف بالإسكندرية ، وأنظر إلى عجائبها ومنارها ثم استأذنته للخروج ، فقال لي : إن لنا عيدا وقد حضر ، فأقم عندي حتى تشاهده وأوجّه معك من يخفرك إلى حدود أرض الحجاز ، فأجبته إلى ذلك ، وحضر العيد ، وزيّنت كنائس الإسكندرية ، وخصّوا منها كنيسة مرخّمة عظيمة كانوا يجتمعون إليها بأحدث الزّىّ ، وكان خارج الكنيسة أسطوان كبير واسع مفروش

--> ( 1 ) في ح : أخربه . ( 2 ) ا : أخبره . ( 3 ) في ا : من جهتهم وجهة أقاربه .