يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
161
بهجة المجالس وأنس المجالس
بالبسط ، وقد جلس عليه رؤساؤهم وبطارقتهم ، وكان من عاداتهم أن يضربوا خارج الأسطوان في فسيح هناك بصولجان وكرة تطير إلى ذلك الأسطوان ، فمن وقعت في حجره الكرة « 1 » من أولئك البطارقة والرؤساء ، حكم له بولاية مصر ، قال عمرو : فأجلسنى وسط أولئك الوجوه والبطارقة فإني لمشغول بالنّظر إليهم وإلى زيّهم ، وأولئك خارج الأسطوان يضربون تلك الكرة إذ طارت إلىّ فسقطت في حجري فأكبروا ذلك ، وجعلوا يتأملونىّ ويعجبون منى ، ومن سقوط الكرة في حجري ، ثم ردّوا الكرة إلى خارج ، وضربوها أيضا مرّة أخرى ، فطارت حتى سقطت في حجري ثانية ، فازدادوا عجبا ، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويزمزمون « 2 » بكلامهم ، وأنا لا أعرف ما يقولون . ثم أخرجوا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي ، فزاد تعجبهم وقالوا : إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة . وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم ، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز ، فأذن لي في ذلك ، بعد أن شرط علىّ أنى لا أترك زيارته في كلّ وقت يمكّنى ، وأنفذنى مع غلام له وجهّزنى بطريف من ثياب الوشى التي كانت تعمل بالإسكندرية ، وثياب من دبيق دمياط ، وأكسية رقيقة من صوف ، وفصوص وغير ذلك ، فانصرفت إلى أهلي بوفر حال ، وأخرجني الغلام من ناحية استغنى فيها عن الخفير ، وكان الغلام الذي وجّهه به معي يدرى أمرهم ، فسألته عن
--> ( 1 ) ساقط من ح . ( 2 ) الزمزمة : صوت هدير الفحل ، والمراد يتكلمون بصوت هادر مستنكر .