يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
153
بهجة المجالس وأنس المجالس
وعن الرائحة الطيبة مع الفجر ، فسكت القوم . فقال : ولا أنت يا أبا الحسن ؟ فقال : بلى واللّه . إن عندي من ذلك لعلما ، أمّا الرجل بينما هو يذكر الشئ إذ نسيه ، فإن على القلب طخاء كطخاء « 1 » القمر ، فإذا سرى عنه ذكر ، وإذ أعيد عليه نسي وغفل . وأما الرجل يحبّ الرجل ولم يلقه فإنّ الأرواح أجناد مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف . وأما الرّؤيا إحداهما حقّ والأخرى أضغاث ؛ فإن في ابن آدم روحين ، فإذا نام خرجت روح فأتت الحميم والصّديق ، والبعيد والقريب والعدوّ ، فما كان منها في ملكوت السماوات فهي الرؤيا الصادقة ، وما كان منها في الهواء فهي الأضغاث ، وأما الروح الأخرى فللنّفس والتّقلّب ، وأما الساعة من الليل التي ليس أحد إلّا وهو فيها مروع ، فإن تلك هي الساعة التي يرتفع فيها البحر يستأذن في تغريق أهل الأرض ، فتحسّه الأرواح فترتاع له ، وأما الرائحة الطيبة مع الفجر ، فإن الفجر إذا طلع خرجت ريح من تحت العرش حرّكت الأشجار في الجنة فهي الرائحة الطيبة . خذها يا عمر ، قال : صدقت . قال محمّد بن علىّ بن عبد اللّه « 2 » بن عباس : دخلت على عمر بن عبد العزيز ، وعنده رجل من النصارى ، فقال له : من تجدون الخليفة بعد سليمان قال النصرانىّ : أنت . قال : فأقبل عمر بن عبد العزيز علىّ فقال : دمى في ثيابك يا أبا عبد اللّه ،
--> ( 1 ) الطخاء : السحاب المرتفع الرقيق ، شبه الدخان . ( 2 ) ساقط من ا ، ومحمد هو أول من قام بالدعوة العباسية ، وهو والد السفاح والمنصور ، ولى إمامة الهاشميين سرا في أواخر الدولة الأموية نحو سنة 120 ه ، وكان مقامه بأرض الشراة بين الشام والمدينة ، في قرية تعرف بالحميمة ، وكان عاقلا جليلا ، مات بالشراة سنة 125 ه . انظر الأعلام والمراجع التي في هامشه 7 / 153 .