الجاحظ
39
كتاب البغال
بغلك هذا حتّى يعود سمينا فارها في أيّام يسيرة ، بأيسر مئونة ؟ قال : بأيّ شيء أعالجه ؟ قال : تأخذ عشرة أمناء مسك وعنبر « 1 » ، وتعجنها بعشرة أمناء من بان الغالية ، وتطليه به طلية واحدة . فتجافى عن سرجه فولّى وجهيهما ظهره ، ثم ضرط ضرطة صلبة ؛ قالا ؛ ما هذا ؟ قال : هذا لكما على الصّفة ، ولو قد أنجع الدّواء خرينا عليكم ! . وحدّثونا عن هشام بن حسان ، عن محمّد بن سيرين ، قال : كان رجل عيّاب ، فأبصر بغلة تحت شريح « 2 » ، فقال : أبا أميّة ، إنّ بغلتك لفارهة ! قال : إنها إذا ربضت لم تقم حتى تبعث . قال : لا خير فيها إذن ! . قال أبو الحسن : كان هشام بن عبد الملك يوما على باب يزيد بن عبد الملك ينظر إلى بغال تعرض ، فنظر إلى بغل منها لم ير الناس مثله في تمام خلق ، وطهارة خلق ، ولين سيرة ، وحسن صورة ، فقال : ما يصنع أمير المؤمنين بهذه الدوابّ كلّها ؟ لو أن رجلا اجتزأ بهذا البغل وحده ، لكان مكتفيا . قال : فلما ولي هشام ، اتّخذ البراذين البخاريّة ، والبغال الفرهة « 3 » ؛ فأذكره رجل ذلك الكلام ، فقال : وأنا على الرأي الأول ، ولكن تأتينا أشياء نحسد الناس عليها . قال : وكان عند محمد بن سليمان رجل مغفّل ؛ فأنشد رجل رجزا
--> ( 1 ) الأمناء : جمع منا ، وهو ميزان يوزن به ، وقدره رطلان . ( 2 ) هو أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس الكندي الكوفي القاضي . استقضاه عمر على الكوفة ، ثم عثمان ، وأقره علي ، وكان يقول له : أنت أقضى العرب ! وولاه زياد قضاء البصرة . توفي سنة 72 ه . ( 3 ) الفرهة : جمع فارة أي نشيط وقوي .