الجاحظ

112

كتاب البغال

ولو كلّف البرذون الطّحن لهرج « 1 » في ليلة واحدة . والبغل لا يصرد كما يصرد الحمار ، ولا يهرج البرذون . وفي أمثال العامّة : الحمار لا يدفأ في السنة إلّا يوما واحدا ، وذلك اليوم أيضا لا يدفأ ، كأنهم قضوا بذلك إذ كان عندهم في الصّرد ووجدان البرد ، في مجرى العنز والحيّة والجرادة ، وإن كان المثل قد سبق في غيره ، يقال : « أصرد من جرادة » ، و « أصرد من حيّة » . وقال بعض من يحمد البغل : البغل لا يصرد كما يصرد الحمار ، ولا يهرج كما تهرج الرّمكة في الحرّ ، والبغل يطحن ، وهو فوق كلّ طاحن . ولو طحن البرذون يوما واحدا في الصّيف لسقط . ألا ترى أن الثور يطحن والجاموس أقوى منه وهو لا يطحن ، وهو أيضا ممّا يهرج . وليس البغل كالفيلة : الفيلة لا تلقح إلّا في أماكنها ، والبغلة قد تلقح في جميع البلدان ، ولكنّ أولادها لا تعيش ، والفيل الشابّ لا ينبت نابه عندنا . ولما سمع أبو الربيع الغنويّ أنّ كسرى كان يعول تسعمائة فيل ، وينفق عليها وعلى سوّاسها ، ويقوم بشأنها ومئونتها ، قال : يزعمون أنه كان مصلحا ، وسائسا مدبّرا ؛ كان - واللّه - عندي يحتاج إلى أن يحجر عليه ، انظروا كم كان يستهلك من الأموال عليها في غير ردّ « 2 » ، فإن كان يريد أن يباهي بها ، ويهوّل بها في الحروب ، حبس منها بقدر ذلك . ولقد رأى رجل في المنام أنّه ركب فيلا ، وقصّ رؤياه على ابن

--> ( 1 ) هرج يهرج هرجا ، بالتحريك : أخذه البهر فلم ينبعث . ( 2 ) الرد : النفع والفائدة ، يقال هو أرد عليه ، أي أنفع .