الجاحظ
113
كتاب البغال
سيرين ، فقال : « أمر جسيم ، ولا منفعة فيه » . والفيلة إنما يفتخر بها السّودان ، كالحبشة والهند ، فأمّا ملوك العراق فإنّما يتّخذون منها بقدر ما يقال إنّ عندهم من كلّ شيء شيئا . وأيضا لأنّ الفيل خلق عجيب ، ومعتبر لمن فكّر . وكلّ شيء عجيب فهو أبعث على التّفكير من غيره . ولما روى المدائنيّ والواقديّ « 1 » وغيرهما ، أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، لمّا استأذن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في إنزاء الحمير على الخيل ، قال : « إنّما يفعل ذلك الّذين لا يعلمون » . قال قوم : جاء الحديث عامّا في ذكر الخيل ، ولم يخصّ العتاق البراذين ؛ لأنّ اسم الخيل واقع عليهما جميعا ، قال اللّه سبحانه : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها ، أفتظّنون أنه ذكر إنعامه عليهم بما خوّلهم من المراكب ، فذكر البغال والحمير وترك البراذين ؟ . فأمّا أبو إسحاق « 2 » فإنه قال : هذا الحديث مختلف فيه ، وله أسانيد طوال ، ورجال ليسوا بمشهورين من الفقهاء بحمل صحيح الحديث . ويجوز أن ينهى عن إنزاء الحمير على الحجور والرّماك جميعا ، فإن جلب جالب ذلك النّتاج جاز بيعه وابتياعه ، وملكه وعتقه . وخصاؤه في الأصل حرام . وقد أهدى المقوقس عظيم القبط إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خصيّا ؛ وكان هذا
--> ( 1 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن واقد الوافدي الأسلمي . فالواقدي نسبة إلى جده ، والأسلمي : نسبة إلى مواليه من بني أسلم . وكان من أهل المدينة وانتقل إلى بغداد ، وولي القضاء بها للمأمون . وكان عالما بالمغازي والسير والفتوح والأخبار . ولد سنة 130 وتوفي سنة 207 ه . ( 2 ) أبو إسحاق هو على الأرجح إبراهيم بن سيار النظام أحد أعلام المعتزلة وأستاذ الجاحظ قال بالطفرة والجزء الذي يتجزأ أبدا .