الجاحظ
111
كتاب البغال
جعفر بن وهب قد قال : هل الحفظ إلّا للصّبيّ وذو النّهي * يمارس أشغالا تشرّد بالذّكر فإن كان قلب الغمر للحفظ فارغا * تناول أقصاه وإن كان لا يدري يهذّ « 1 » أمورا ليس يعرف قدرها * وهل يعرف الأقدار غير ذوي القدر وقال أبو دلف في بعض تلك المسابقات : وليس فراغ القلب مجدا ورفعة * ولكنّ شغل القلب للهمّ دافع وذو المجد محمول على كلّ آلة * وكلّ قصير الهمّ في الحيّ وادع فزعم أنّ الأعمى إنّما يحفظ لقلّة خواطره وشواغله . وعلى قدر الشواغل والخواطر تنبعث الهمة ، وتصحّ الرويّة ، وتبعد الغاية . وقالوا : طحن الحمير والبغال والبقر والإبل ، لا يجيء إلّا مع تغطية عيونها ، ومنافع الطحن عظيمة جدّا ؛ وطحن البغال أطيب وأريع ، وكيل ما تطحن أكثر ؛ وطحين أرحاء القرى لا يكون له طيب ، لأنّ أرحاء الماء ، التي هي أرحاء القرى ، تحدق الدّقيق ، وتفسد الطّعم . فهذه المنفعة الكثيرة ، للبغال فيها ما ليس لغيرها .
--> ( 1 ) هذّ الحديث هذا : سرده وأسرع في قراءته .