ابن حجر العسقلاني

68

فتح الباري

ثبت مثله من حديث أنس مرفوعا وقد تقدم الكلام على فوائد الحديث في الباب الذي أشرت إليه قبل وفيما بعده قال ابن بطال وروى عن مالك كراهة النفخ في الصلاة ولا يقطعها كما يقطعها الكلام وهو قول أبي يوسف وأشهب وأحمد وإسحق وفي المدونة النفخ بمنزلة الكلام يقطع الصلاة وعن أبي حنيفة ومحمد أن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام وإلا فلا قال والقول الأول أولى وليس في النفخ من النطق بالهمزة والفاء أكثر مما في البصاق من النطق بالتاء والفاء قال وقد اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة فدل على جواز النفخ فيها إذ لا فرق بينهما ولذلك ذكره البخاري معه في الترجمة انتهى كلامه ولم يذكر قول الشافعية في ذلك والمصحح عندهم أنه أن ظهر من النفخ أو التنخم أو البكاء أو الأنين أو التأوه أو التنفس أو الضحك أو التنحنح حرفان بطلت الصلاة وإلا فلا قال ابن دقيق العيد ولقائل أن يقول لا يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يكون كل حرفين كلاما وأن لم يكن كذلك فالابطال به لا يكون بالنص بل بالقياس فليراع شرطه في مساواة الفرع للأصل قال والأقرب أن ينظر إلى مواقع الإجماع والخلاف حيث لا يسمى الملفوظ به كلاما فما أجمع على الحاقه بالكلام الحق به وما لا فلا قال ومن ضعيف التعليل قولهم إبطال الصلاة بالنفخ بأنه يشبه الكلام فإنه مردود لثبوت السنة الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم نفخ في الكسوف انتهى وأجيب بان نفخه صلى الله عليه وسلم محمول على أنه لم يظهر منه شئ من الحروف ورد بما ثبت في أبي داود وفي حديث عبد الله بن عمرو فإن فيه ثم نفخ في آخر سجوده فقال أف أف فصرح بظهور الحرفين وفي الحديث أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال وعرضت علي النار فجعلت انفخ خشية أن يغشاكم حرها والنفخ لهذا الغرض لا يقع الا بالقصد إليه فانتفى قول من حمله على الغلبة والزيادة المذكورة من رواية حماد بن سلمة عن عطاء وقد سمع منه قبل الاختلاط في قول يحيى بن معين وأبي داود والطحاوي وغيرهم وأجاب الخطابي بان أف لا تكون كلاما حتى يشدد الفاء قال والنافخ في نفخة لا يخرج ألفا صادقة من مخرجها وتعقبه ابن الصلاح بأنه لا يستقيم على قول الشافعية أن الحرفين كلام مبطل أفهما أو لم يفهما وأشار البيهقي إلى أن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ورد بان الخصائص لا تثبت الا بدليل * ( تنبيهان ) * الأول نقل ابن المنذر الإجماع على أن الضحك يبطل الصلاة ولم يقيده بحرف ولا حرفين وكأن الفرق بين الضحك والبكاء أن الضحك يهتك حرمة الصلاة بخلاف البكاء ونحوه ومن ثم قال الحنفية وغيرهم أن كان البكاء من أجل الخوف من الله تعالى لا تبطل به الصلاة مطلقا ( الثاني ) ورد في كراهة النفخ في الصلاة حديث مرفوع أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة قالت رأى النبي صلى الله عليه وسلم غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ فقال يا أفلح ترب وجهك رواه الترمذي وقال ضعيف الإسناد ( قلت ) ولو صح لم يكن فيه حجة على إبطال الصلاة بالنفخ لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة وإنما استفاد من قوله ترب وجهك استحباب السجود على الأرض فهو نحو النهي عن مسح الحصي وفي الباب عن أبي هريرة في الأوسط للطبراني وعن زيد بن ثابت عند البيهقي وعن أنس وبريدة عند البزار وأسانيد الجميع ضعيفة جدا وثبت كراهة النفخ عن ابن عباس كما رواه ابن أبي شيبة والرخصة فيه عن قدامة بن عبد الله أخرجه البيهقي ( قوله باب من صفق جاهلا من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته ) فيه سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير بذلك إلى حديثه الآتي