علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

6

البصائر والذخائر

هذا الجزء التاسع « 1 » من البصائر ، وكان عذري فيه - أعني الكتاب - أنه يتمّ بما يسرّ الناظر ، وأرى العجز قد قهر ، والاستعفاء قد حسن ، والعذر قد وجب ، لأنّ البقية من مذاكرة الأدب إذا اختصّها هذا الجزء بقيت بقية في الصّوفية ، وقد كان الوعد سلف إفرادها عن سائر الفنون ، وبقيت بقية أخرى من فلسفة الفلاسفة . وقال لي بعض إخواني : قدّم من هذين الفنّين ما إذا تخلّص من الجملة كان لأثره وقع ، فاقتصرت على ذلك ، ولعمري إنّ الوصف على ما يأتي عليه ، ولكن ليس الرّأي على ما أرشد إليه ، لأني فقير إلى ما يستغني هو ونظراؤه عنه ، وضماني لا يزول برأي غيري ، وحاجتي لا تسقط بكفاية من سواي ، وأنا جار على المصلحة المنويّة في هذا الكتاب لنفسي ولمن يجري مجراي ، ويعتذر إلى من خالفني في هذا الرأي ، ولم يختر هذا التطويل . لأنّ الرغبة الصادقة في العلم تخفف عليّ كلّ [ ثقيل ] ، وتذلّل كلّ صعب ، وتزيل كلّ زهد ، وترسل على الجساء ناعما ، و [ تجعل ] منظر الشوهاء رائعا ، وبعيد المطلوب دانيا ، ووعر المحتاج إليه سهلا ، وأبيّ المتمنّى سمحا ، وعصيّ المراد طيّعا . واعلم أن المحظوظ من أنعم بالعلم عليه ، ووفّق للإخلاص فيه ، وحشي سرّه طمأنينة ، وبوشر قلبه بالسّكون ، ورفع همّه عن الإشناق « 2 » إلى ما لا يليق به واستشراف ما لا يصل إليه ، ولن يحسن هذا المحظوظ عشرة هذه النّعمة ، ولا يستمتع بنضرتها ، ولا يحمد غبّها ، دون أن يكون رائضا للسانه على الشكر ، وعامرا لصدره بالإخلاص ، وهاجرا للهوينا في ما اجتلب الزيادة ، مجانبا للتفريط في ما وكل به المقت والتصق به العار أو وصمته القالة ؛ ولن ينتفع بهذه المقدّمات كلّها دون أن يعلم أنّ الدّنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء ، وأنّ من فاتته في العاجل صنع له ، وأنّ ما نال منها وبال ، وأن القرار في دار الآخرة التي من سلك سبيلها نجا ، ومن راغ عن

--> ( 1 ) في الأصل : الأول ؛ وهو أول بحسب الناسخ الذي لم ينسخ سوى جزءين ، هذا أحدهما . ( 2 ) ل : الإشفاق ؛ والإشناق : رفع الرأس والطموح إلى الشيء .