علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
9
البصائر والذخائر
والقهر ، وجانب كلّ ما جنّبك الخير ، واهجر كلّ ما أعلقك الذّم ، وأورثك النّدم ، وثبّت على طاعة اللّه قدميك ، واستحفظ نعم اللّه تعالى قبلك ، واشهد آلاءه عندك ، واعترف له بالرّبوبيّة ، وتذلّل بين يديه بشمائل العبوديّة ، واعلم أنّك منه بمرأى ومسمع ومطلع ، واجعل أساس أمرك ، وخميرة حالك ، وزبدة تدبيرك ، وعمدة شأنك ، الزّهد في الدّنيا ، وإزجاءها بما طفّ منها ، والرّضا بالبلغة فيها ، فإنّك إذا فعلت ذلك هان عليك ما عداه ، وقرب منك ما تهواه . الزّهد في الدّنيا باب السّعادة ، ودرجة السّلامة ، ووعاء النجاة ، وظرف الرّاحة ؛ بالزّهد تملك هواك عن الجماح ، وطرفك عن الطّماح ، ونفسك عن اللّجاج ، وطباعك عن الغيّ ، وظاهرك عن الهجنة ، وباطنك عن الفتنة ، فبه يذلّ لك كلّ ما نشأ عنه ، وصار فرعا عليه . هناك تتفرّغ لحسابك ، وتتصفّح ما يخصّك ، واعتبار ما يكون صلاحه منوطا بك ، وفساده منفيا عنك ، وآثاره راجعة إليك ، وريعه واقفا عليك ، فلا تعتقد إلا حقّا يصحبه البرهان ، ولا تقول إلّا صوابا يشهد له الدليل ، ولا تعمل إلّا صالحا يؤيده القول والحقّ ، ومتى خلصت إلى هذه الرّتبة حفّت « 1 » بك السعادة ، وتواصلت إليك الزيادة ، وكان جليسك منك بين ملحوظ يقتدي بك فيه ، وملفوظ يمتثل أمرك به ، ولن تحوز هذه الحال ، ولن تفوز بهذا الكمال ، حتى تبرأ من الجدال في الدّين ، وتهجر هذيان المتكلّمين ، وتبعد عن مجالس المشكّكين ، وتألف عادة الصالحين ، وتأخذ بهدي المسلمين ، وتحسم طبعك عن معرفة أسرار ربّ العالمين ، في هذا الخلق أجمعين . نعم ، وحتى تترك الخوض في الجزء والطفرة ، والجوهر والعرض ،
--> ( 1 ) ل : خفت .