علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

10

البصائر والذخائر

والكمون والظّهور ، والمداخلة والمجاورة ، وما مراد اللّه في كذا ، وما علّته « 1 » في كذا ، وما سببه في كذا ، وواجب عليه أن يفعل كذا ، ويستحيل عليه فعل كذا ، ولو فعل كذا لكان كذا ، وهذا تحكّك « 2 » بالإله ، وتمرّس بالرّبّ « 3 » ، وليس لك « 4 » من ذلك إلّا ما ألقاه إليك ، وعرضه عليك ، وسهّله لك ، ورفع الشّبهة عنك ؛ فأمّا ما غمض واستتر ، وخفي واستسرّ ، فإياك أن تتعرّض له ، وتحوم حوله ، وتطلب قياسه ونظيره ، فإنّك إمّا أن تكلّ دون بلوغه ، أو تضلّ قبل مناله ، لأن اللّه تعالى لم يبن هذه الدار ، ولم يرتّب هذا العالم ، ولم ينظّم هذا الفلك ، على قدر عقلك الضعيف ، ولم يستشر استحسانك واستقباحك ، ولم يجعل لك إلى شيء من ذلك سبيلا إلّا على حسب ما أعارك من القوة ، وأعلمك بالتّكليف ، وألهمك بالتّوفيق ، فإن تعدّيت طورك ، وتعلّيت قدرك ، نكسك وردّك على عقبيك ، وأسرك بعجزك ، وعرّاك من لبوس عزّك ، وجعلك عبرة للناظر إليك ، وآية للمعتبرين بك ، وأحدوثة للغابرين بعدك . فاحذر التّخطّي إلى سياج ربّك ومعالم إلهك ، والزم حدودك في عبوديتك ، فبهذا أمرت ، واستقم كما أمرت ، لعلّ اللّه تعالى يرى فقرك فيغنيك « 5 » ، وضعفك فيقوّيك ، وانحطاطك فيعليك ، وذر الذين يخوضون فيما ليس إليهم ، ويتكلّفون ما ليس عليهم ، فسيعلمون أيّ منقلب ينقلبون . حرس اللّه علينا وعليك الدّين ، ووفّر حظّنا وحظّك من اليقين ، وجعلنا وإيّاك من عباده المتّقين ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

--> ( 1 ) ل : عليه . ( 2 ) ل : يحط . ( 3 ) وتمرس بالرب : سقط من ل . ( 4 ) ل : إليك . ( 5 ) فيغنيك : سقطت من ل .