علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

11

البصائر والذخائر

وهذه لغة قد فشت في زماننا حتى كأنهم فيها أعراب عامر . لقد جرى بعض هذا الفن عند رجل رئيس فقال : الأمر في هذا الشأن أسهل من ذلك وأهون ، لأنّ الاحتفال والتيقّظ لا يلزمان إلا في فرائض الدّين وآداب الشّريعة ، والاستظهار والحفظ لا يستعملان إلّا في تخليص النفس وحراسة الطبيعة ، فأمّا البلاغة في الكتابة والتّوقّي فيها من الزّلّة ، وأخذ الأهبة في الإفهام والاستفهام ، فمن الكلف الموضوعة والأثقال المحطوطة ، واللائمة تلصق بطريقها أكثر ، والعيب يلزم من يغلو فيها أشدّ ، وإغفال هذا الباب أشبه بمذاهب أهل الصّلاح والنّسك [ . . . ] من نصحه خوفا من مكابرته ، ودافعا للدواء مع تمكّنه من دائه وتسهيله لشفائه ، جاهلا بثناء اللّه عزّ وجلّ على العلم والعالم في مواضع من كتابه ؛ قال اللّه عزّ وجلّ : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ ( آل عمران : 18 ) . ومن عرف المتبوع من التابع ، حطّ التابع عن درجة المتبوع ، والعلم هو المتبوع ، والعمل هو التّابع ، وبالعلم يصحّ العمل ، ولا يصلح العلم إلّا بالعمل ، وقليل « 1 » العمل مع كثير العلم يسدّ خللا ظاهرا ، ويرقع فتقا منكرا ، والثواب في الصّبر على دفع الشّبه إذا حلّت ، وصرفها « 2 » بالحجج إذا أطلّت ، أضعاف الثواب على العمل ؛ والعمل أيضا لا يبرأ من رياء يحبطه ، وكبر يفسده ، وأكثره لا يخلص ، وأقلّ العلم فيه تنبيه وإفاقة وخبرة بأسرار اللّه تعالى في خلقه ، وإشراف على صنع اللّه لعبيده ، وتشبّث بأذيال عزّه ، واقتباس من نور وجهه ، وشوق إلى طلب الزّلفى من عنده . ولعمري [ فالعلم ] « 3 » بالعمل أحسن ، كما أنّ العمل بالإخلاص أزين ، ولكنّ

--> ( 1 ) ح : وقال . ( 2 ) ح : وصروفها . ( 3 ) زيادة ضرورية .