علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
191
البصائر والذخائر
كإسراره « 1 » ، لا يقفوه قاف وإن تقصّى السّداد « 2 » ، ولا يلحقه لاحق وإن ركض الجواد ؛ 2 والحسن البصريّ ، فإنك إذا نظرت إلى كلامه ومواعظه وزهده وحكمته ، عرفت علوّ درجته ، وسلطان دينه ، وقوة عقدته « 3 » ، وانفتال مريرته « 4 » ، ونقاء طويّته ، مع العفّة « 5 » في الدّين ، والصبر المتين ، والاحتساب العظيم ؛ 3 وأبي « 6 » عثمان الجاحظ ، فإنك لا تجد مثله ، وإن رأيت ما رأيت رجلا أسبق في ميدان البيان منه ، ولا أبعد شوطا ، ولا أمدّ نفسا ، ولا أقوى منّة ، إذا جاء بيانه خجل وجه البليغ المشهور ، وكلّ لسان المسحنفر « 7 » الصّبور ، وانتفخ سحر العارم « 8 » الجسور ؛ ومتى رأيت ديباجة كلامه رأيت « 9 » حوكا كثير الوشي ، قليل الصّنعة ، بعيد التكلّف ، حلو الحلى « 10 » ، مليح العطل ، له سلاسة كسلاسة الماء ، ورقّة كرقّة الهواء ، وحلاوة كحلاوة النّاطل « 11 » ، وعزّة كعزّة كليب وائل . فسبحان من سخّر له البيان وعلّمه ، وسلّم في يده قصب الرهان وقدّمه ، مع الاتساع العجيب ، والاستعارة الصائبة ، والكتابة الثابتة ، والتصريح المغني ، والتعريض المنبي ، والمعنى الجيّد ، واللفظ المفخم « 12 » ، والطلاوة الظّاهرة ، والحلاوة الحاضرة ، إن جدّ لم يسبق ، وإن هزل لم يلحق ، وإن قال لم يعارض ، وإن سكت لم يعرض له .
--> ( 1 ) ر : كسراره . ( 2 ) في النسخ : نقص السواد . ( 3 ) ك ر : عقده . ( 4 ) ك : مريره . ( 5 ) مع العفة : سقطت من ر . ( 6 ) ح ر : وأبو . ( 7 ) ك : المستحضر . ( 8 ) ك : العالم . ( 9 ) ديباجة كلامه رأيت : سقط من ك ر . ( 10 ) ح : المجنى . ( 11 ) الناطل : الخمر عامة . ( 12 ) ح : الفخم .