ابن الجوزي
68
بستان الواعظين ورياض السامعين
[ 119 ] باب الجنة فينظر إلى باب الجنة وإلى بهجة تلك القصور وأطرافها من الجندل الأخضر ، وحصباؤها من الياقوت الأحمر فسيتنشق نسيم طيب الكافور والمسك ويسمع حسن تغريد الأطيار وخرير تلك الأنهار وما لا تصفه ألسنة الواصفين ولا يخطر ببال المتفكرين ، فإذا سمع العبد ذلك كله استخفه الطرب فيقول : يا مولاي لقد أنعمت عليّ نعما أكمل النعم جوّزتني الصراط وأنجيتني من النار وصرفت وجهي عن أهل النار حتى لا أراهم ، ولكن أسألك يا سيدي ومولاي أن تدخلني الجنة فاجعل هذا الباب بيني وبين أهل النار حتى لا أسمع حسيسهم ولا أرى عذابهم : فيأتيه ذلك الملك فيقول له : ابن آدم ما أكذبك ألست قد زعمت أنك لا تسأل غير ما قد سألت ، فيقول : وعزتك يا رب لا سألتك غيره . فيأخذ الملك بيده فيدخله الباب فينظر العبد عن يمينه وعن شماله مسيرة سنة ، فلا يرى إلا الشجر المثمر ما رأى قط مثلها ولا خطر على قلب آدمي ولا جني ، فينظر إلى أدنى شجرة فيرى عندها روضة فيها شجرة أصلها ذهب وأغصانها فضة وورقها حلو ما رأى مثلها قط آدمي ولا جني ولا خطر على قلب بشر ، وثمرها ألين من الزبد وأحلا من العسل ، فيقول العبد : يا رب لقد أنعمت على عبدك وتفضلت نجيتني من النار وأدخلتني الجنة وأعطيتني وأرضيتني ، وإنما بيني وبين هذه الروضة قليل فبلغني إليها فوعزتك لا سألتك غيرها . فيأتيه ذلك الملك فيقول له : يا ابن آدم ما أكذبك ألست قد زعمت أنك لا تسأل غير ما سألت ؟ يا ابن آدم أين أقسمت به أما تستحي من اللّه ؟ . [ 120 ] منازل الجنة فيأخذ بيده فينطلق به إلى أدنى منزل من منازلها فإذا هو بقصر من لؤلؤة بيضاء بين يديه فلا يملك نفسه حين ينظر إليه ، فيقول : يا رب أسألك هذا المنزل ولا أسألك غيره . فيأتيه الملك من عند اللّه سبحانه فيقول له : يا ابن آدم ما أكذبك ألست أنك قد زعمت أنك لا تسأل غير ما أنت فيه ؟ فينظر بين يديه فإذا بمنزل كأنما المنزل الأول والثاني وجميع ما خلق ورآه حلما فيسأله فيعطى فلا يزال كذلك حتى يعطى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فلو نزل في أدنى قصر من قصور الجن والإنس لكان عنده من الكراسي ما يجلسون ويتكئون عليها ، ولكان عنده من الموائد ما يفضل عنهم ، ولكان عندهم من الطعام والشراب