ابن الجوزي

49

بستان الواعظين ورياض السامعين

نور ، ولا يكون النور يومئذ إلّا من الأعمال الصالحة ، فمن عمل عملا صالحا نجّاه من النار ، وجاز إلى دار الراحة والقرار . ومن لم يقدم في الدنيا عملا صالحا حجب عن النظر إلى وجه الجبار ، وهوى في دار الندامة والبوار . في دار عذابها سموم وشرابها حميم وظلها لا بارد ولا كريم ، وطعامها الزقوم يتردى واللّه في دار عذابها أليم ، ومسكنها جحيم ، وساكنها أبدا في العذاب مقيم يتردى واللّه في نار قعرها بعيد وعذابها شديد ، وشرابها صديد ، ومقامعها حديد ، وما هي من الظالمين ببعيد . وأنشدوا : أما آن يا أخ أن تستفيقا * وأن تتناسى الحمى والعقيقا وقد ضحك الشيب في عارضي * ك وبانت مساويك فيه بروقا وركب أتاهم وقد عرضوا * على أتباع المنايا طروقا أدارت عليهم كؤوس الحمام * صبوحا ( تلازمهم ) أو غبوقا وما زال فيهم غراب الحما * م فيسمعهم للمنايا نعيقا ويحجل في عرصات القصو * روحتى أعاد الفسيحات ضيقا ألا فازجر النفس عن غيّها * عساك تجوز الصراط الدقيقا مقام به تذهل المرضعا * ت وتلقى الحوامل وعدا صدوقا وتبرز للناس نار الجحيم * لها عنق تترامى حريقا شرابهم المهل في قعرها * تقطّع أمعاءهم والعروقا إذا طبقت فوقهم لم يكن * لتسمع إلّا البكا والشهيقا أذلك خير أم القاصرا * ت تخال مباسمهن البروقا قصرن على حب أزواجه * ن فمشتاقة تتلقى مشوقا لقد فاز من كان للمصطفى * بدار المقامة يوما رفيقا [ 77 ] حسن العمل والصراط فمثل لنفسك يا مسكين وقد جئت إلى الصراط وقد رأيت العاملين ، وقد جازوا وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، ورأيت الباطلين في ظلمات البطالات وغمرات الجهالات . فاللّه اللّه يا جماعة الضعفاء ، يا من قطع عمره في الخلاف والجفاء خذوا لأنفسكم بالاحتياط ، واحذروا الأهوال الصعبة عند جواز الصراط . لأن الصراط لا يجوزه آثم ، ولا ينجو منه ظالم . والصراط حق رقيق ، لا