ابن الجوزي

43

بستان الواعظين ورياض السامعين

وجوههم أجمعين وتفر الخلائق كلهم هاربين ، ويتعلق جبريل وميكائيل عليهما السلام بساق العرش وكل ملك ينادي : نفسي نفسي لا أسألك اليوم غيرها . ويقول أيضا كل واحد منهم : بحرمة محمد وبقدر محمد صلى اللّه عليه وسلم نجني من عذابك لما يرون من حرمته وجلالة قدره وعظيم منزلته عند ربه فإذا هرب الخلائق وجهنم تريد أن تأتي عليهم وقد غلا بعضها في بعض ويقلب بعضها على بعض ولا يبقى غل ولا سربال ولا سلسلة ولا قيد ولا حية ولا عقرب إلّا ألقت الكل على متنها . [ 68 ] بماذا تخمد النار فعند ذلك يقبل إليها محمد صلى اللّه عليه وسلم ويلقي يده في زمامها ويلوح إليها بحلة خضراء فتخمد من نور وجهه المبارك وهو صلى اللّه عليه وسلم يضرع إلى العلي المجيد وهو يقول : يا سلام سلّم أمتي من العذاب الشديد . وأنشدوا : الدمع في خد من عصى حسن * حسب الفتى من دموعه الحزن يا من شكى حافظاه حلوته * لما خلا والعباد ما فطن قد كان ربي عليك مطلعا * وأنت لاهي الفؤاد مفتتن لم تهتك السرّ إذ خلوت به * ولا انقضت من عطائه المنن النار تسعى إلى العصاة غدا * لم يعلم المذنبون ما وسن يا قوم العجب من القلوب التي بليت بالعباد ، وغفلت عن أهوال يوم المعاد ، وتمادت على معصية الرب الكريم الجواد . يا أخي كأن المراد بهذا كله غيرنا . ليبعثن الجبار الذليل والحقير ، ويسألهم عن الفتيل والنقير ، وعن الذرة والقطمير ، وعن القليل والكثير ، في اليوم المهول العبوس العسير ، الذي يشيب من فظاعة هوله الطفل الصغير ، رفق اللّه بنا وبكم في ذلك اليوم إنه على ما يشاء قدير . ثم يبعث اللّه تعالى جبريل عليه السلام إلى جهنم فيقول لها : اللّه تعالى يقول لك الطاعة فتقول : وعزة اللّه وعظيم جلاله لأنتقمن اليوم ممن لم يعمل بطاعة اللّه واستعان بنعمته على معصيته . ثم تقول : يا جبريل هل خلق اللّه خلقا يعذبني به ؟ فيقول جبريل : لا ما خلقك اللّه إلي إلّا نقمة لمن عصاه . فتقول جهنم عند ذلك : الحمد للّه الذي جعلني نقمة لمن عصاه ولم يجعل من خلقه من ينتقم مني . عند