ابن الجوزي
44
بستان الواعظين ورياض السامعين
ذاك واللّه تعظم الخطوب ، وتظهر القبائح والعيوب ، ويندم أهل المعاصي والذنوب . وأنشدوا : ليس في الدنيا لمن * آمن بالبعث سرور فإنا للّه وإنا إليه راجعون على من باع نفسه في سوق الخسران ، وترك العز ورضي بالهوان وبذل مهجته لعذاب النيران ، وبارز بالخطايا الملك الديّان . [ 69 ] من أسباب غفران الذنوب حكي عن بعض العارفين رحمه اللّه أنه قال : حضرت سنة من السنين الوقوف بعرفات فإذا بضجة الناس ، فتذكرت يوم القيامة وذكرت رحمة اللّه فأردت أن أحلف أن اللّه قد غفر لكل من في الجمع فذكرت أني فيهم فأمسكت . وأنشدوا : يا كثير الذنوب أقصر قليلا * قد بلغت المدى من الإسراف فإذا اشتد بالخلائق الهلع ، وكثر منهم الخوف والجزع ، وبلغت القلوب الحناجر ، من خوف من يعلم الظواهر والسرائر ، نادى الملك الرحمن : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون . فإذا سمعت الخلائق هذا النداء طمع كل منهم فيه . فيقول سبحانه : الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ [ الزخرف : 69 ] فعند ذلك ييأس من الرحمن جميع الكفار والمنافقين والفجار ، ويطمع فيها من آمن بالواحد القهار ، واتبع سنة محمد المختار . عند ذلك تنشر الدواوين ، وتوضع الموازين وتتطاير الصحف في الألف فكل امرئ بما اكتسب معترف ، فندم الظالم ، وخسر الآثم ، وظهرت في الصحائف الفضائح ، وكثر الخجل واشتد الوجل وبدت الفضائح ، وشهدت على كل أمرىء حفظته والجوارح . وأنشدوا : طال واللّه بالذنوب اشتغالي * وتماديت في قبيح فعالي ليت شعري إذا أتيت فريدا * والموازين قد نصبن حيالي والدواوين قد نشرن وجئنا * والنبيون يشهدون سؤالي ما اعتذاري وما أقول لربي * في سؤالي وما يكون مقالي أورثتني الذنوب دار هموم * لست أبقى لها ولا تبقى لي يا عظيم الجلال مالي عذر * بل حقيق أنا بنار السفالي غير أن الرجاء فيك مكين * فارحم العبد يا جميل الفعال