ابن الجوزي

36

بستان الواعظين ورياض السامعين

ليس في الدنيا لمن آ * من بالبعث سرور إنما يفرح بالدن * يا جهول أو كفور إنما الدنيا متاع * كلّ ما فيها غرور فتذكر هول يوم * السما فيه تمور [ 50 ] بكاء النبي من أهوال القيامة روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « خوّفني جبريل عليه السلام من أهوال يوم القيامة حتى أبكاني فقلت له : حبيبي جبريل أليس قد غفر اللّه لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ؟ فقال : يا محمد لتشاهدن من الأهوال يوم القيامة ما ينسيك المغفرة ، فبكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى بلّت دموعه لحيته » فإذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبكي من هول يوم الحساب وقد أمّنه الجبار من أليم العذاب ، ووعده بالجنة وحسن المآب ، فكيف بأمثالنا المساكين ؟ وكيف بمن ترك الحق والصواب ، وخالف السنة والكتاب ، وأطاع الشيطان وأفنى عمره في معصية الملك الوهّاب ؟ وقد قيل في قوله تعالى : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [ الفجر : 21 ] هو تحريكها ، وقيل دكّا دكا إذهابا . [ 51 ] معنى دك الأرض وانشقاقها سئل بعض العلماء عن معنى تكرار هاتين الكلمتين ، دكا دكا وصفا صفا ؟ فقال : تدكدك الأرض دكا بعد دك ، أي تحرك مرة بعد أخرى حتى لا يبقى عليها أثر من بناء أو جبل أو شجر . وقوله صفا صفا ، تأتي الملائكة صفا بعد صف كلّ ملك قد شغل بنفسه لعظم ما يرى من ظهور الأهوال . فإذا كثر زلزال الأرض : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [ الحاقة : 41 ] حتى تنقطع الجبال من أصولها وتنشق الأرض وتغور فيها أنهارها وعيونها ويدخل فيها كل قصر شديد من بين قديم وجديد ، فيا له من يوم ما أهوله ومن بلاء ما أطوله ، ومن جبار ما أعدله . قد أفنى العباد بالحمام فلا يرى أحد من الأنام . فإذا استوى الأولون والآخرون في أرض القيامة أمر اللّه تبارك وتعالى السماوات أن تنشق فتنشق كلّ سماء وتتقطع مثل قطع السحاب ، وقيل كما يتطاير القطن بين يدي القطّانين إذا ندفوه .