ابن الجوزي
37
بستان الواعظين ورياض السامعين
فمثل لنفسك صوت انشقاقها في سمعك ، وكيف يثبت له فؤادك ، ويستقر لفظاعة هوله قدمك ، فقدم في أيام حياتك ما يقيك تلك الأهوال لأن الخلق في أهوال يوم القيامة على قدر أعمالهم في الدنيا من خير وشر ، فمن عمل صالحا وخاف من ربه وخاف من هول ذلك اليوم آمنه مولاه من جميع أهواله وكروبه ، ومن لم يقدم في دنياه عملا صالحا لأخراه لقيته صعاب الخطوب ، وترادفت عليه الهموم والكروب ، فيندم حين لا تنفعه الندامة إذا حل في أهوال القيامة . [ 52 ] الأمن والخوف روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يقول اللّه تبارك وتعالى إذا خافني عبدي في الدنيا آمنته يوم القيامة وإذا آمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة » فإذا انشقت السماوات بلغت القلوب الحناجر ، وأيقن كل عبد وأمة أنه قادم على ما عمل في الظواهر والسرائر ، إذا انشقت السماوات عظمت المصائب ، وكثرت النوائب ، وندم العبد على ما فرط في الدنيا وضيع من الثواب والرغائب . فإذا انشقت السماوات عظمت الرزيّات ، وكثرت الآفات ، وظهر العذاب وحلت العقوبات ، وأظهر اللّه مخبآت السريرات ، وندم العبد المغرور على ما أذنب في الأيام والأوقات ، وما جنى في الشهور والساعات . فإذا انشقت السماوات كثرت الأحزان ، وبرزت النيران ، وأزلفت الجنان ، وندم العاصي على ما عمل من العصيان ، وعلى ما فرّط فيه من طاعة الرحمن فانتبهوا لهذه الأهوال يا معشر الأخوان ، يا أهل الإسلام والإيمان ، فإن الهول واللّه عظيم ، والخطب كبير جسيم . [ 53 ] ملائكة سماء الدنيا فإذا انشقت السماوات وتقطعت ونزلت الملائكة بأجمعها ، فإذا نزلت ملائكة سماء الدنيا فزع منهم أهل الأرض وظنوا أنهم قد أمر فيهم بأمر ، فتقول لهم ملائكة سماء الدنيا : لا تجزعوا منا فإنا نخاف من الذي تخافون ، وتكون ملائكة سماء الدنيا أكثر من أهل الأرض إنسها وجنها وأنعامها وطيرها ووحشها وجميع خلق برها وبحرها سبعين ضعفا ، فتبقي العباد يموج بعضهم في بعض .