ابن الجوزي
299
بستان الواعظين ورياض السامعين
لكان كافرا ورادا على اللّه ، وخرج عن دين الإسلام وزال نور الهدى عن قلبه قال اللّه تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] فهذا بيان واضح من اللّه . وأنشدوا : نور القلوب يزيد عند صلاتنا * للهاشميّ فنوره لا ينجلي فضياؤنا من ضوء نور محمد * صلّوا على ذاك النبيّ الأفضل [ 464 ] حكاية في كثرة الصلاة على النبي روي عن عبد الواحد بن زيد أنه قال : خرجت حاجا إلى بيت اللّه الحرام فصحبني رجل في الطريق كان لا يقوم ولا يقعد ، ولا يجيء ولا يذهب ، ولا يأكل ولا يشرب ، ولا يتطهر ولا ينام ، ولا يتصرف في شيء إلّا أكثر من الصلاة على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فسألته عن ذلك فقال : أحدثك بعجب عجيب ، خرجت مرة إلى مكة معي والدي فنزلنا منزلا في موضع من منازل الطريق فنمت فإذا أنا بهاتف يهتف بي وهو يقول : يا فلان قم فقد أمات اللّه والدك وقد سوّد وجهه ، فانتبهت فزعا مرعوبا مما سمعت فإذا هو راقد وقد غطي وجهه ، فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو ميت ووجهه أسود ، فاشتد حزني لذلك وتحيرت في أمره فغلب عليّ النوم فإذا أنا بأربعة سودان عند رأسه ، وأربعة عند رجليه بأيديهم أعمدة من حديد من نار وهم يريدون عذابه ، فبينما أنا أنظر فيما يكون من أمر والدي مع السودان إذا برجل قد جاء فأشرق من نور وجهه الموضع كله الذي كنا فيه ، وأقبل على السودان فانتهرهم وقال : تنحوا عنه ، فتنحى السودان عنه من ساعتهم وغابوا عني فلم أرهم ، ثم أقبل على والدي فمسح بيده على وجهه فإذا هو أشد بياضا من الثلج ، والنور قد علا وجهه ، ثم أقبل علي فقال لي : بيض اللّه وجه أبيك وزال عنه السواد ، فقلت له : من أنت فجزاك اللّه عنه خيرا ، قال : أنا محمد رسول اللّه ، فقلت له : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما كان السبب في مجيئك إليه ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : أما والدك فكان مسرفا على نفسه غير أنه كان يكثر من الصلاة علي ، فلما نزل به ما نزل استغاث بي وأنا غياث لمن أكثر الصلاة علي ، فقمت من نومي فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو قد ابيض فأخذت في أمره وشرعت في دفنه فما تركت الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك . فإذا كانت الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم تورث تنوير الوجه بعد الممات ، فأولى أن تورث تنوير القلوب في الحياة ! ! وذلك أن اللّه تعالى جعل شخصه صلى اللّه عليه وسلم نورا ،