ابن الجوزي
278
بستان الواعظين ورياض السامعين
من هول يوم عبوس قمطرير ، وجالت قلوبهم خوف العلي الكبير ، فعما قليل ينجون من الفزع الهائل الخطير ، ويجاورون السيد النذير البشير ، في جنة ليس فيها شمس ولا زمهرير ، رجال اطمأنت قلوبهم بذكر الرحمن ، ولزموا الطاعة وتجنبوا العصيان ، وحفظوا ألسنتهم من العيب والبهتان ، واتبعوا السنة وأحكام القرآن ، ولم يقبلوا من خدع العدو الشيطان ، وطلبوا الزيادة ولم يرضوا بالنقصان ، فأثابهم الجبار بجنة الرضوان ، ومتعهم بالحور الغنجات الحسان ، كأنهن الياقوت والمرجان ، فأخبرنا الجليل جل جلاله في محكم القرآن ، عما أتاهم به من الجود والامتنان ، فقال تعالى : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ؟ [ الرحمن : 60 ] فالإحسان من العبد في الدنيا قول لا إله إلّا اللّه ، والإحسان من اللّه في الآخرة الجنة . فمن أحسن الرضا عن اللّه جل ثناؤه جازاه اللّه بالرضا عنه فقابل الرضا بالرضا وهذا غاية الجزاء ، ونهاية العطاء . [ 432 ] صفة المؤمنين روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لطائفة من المؤمنين : « ما أنتم ؟ » قالوا : نحن المؤمنون ، فقال : « ما علامة إيمانكم ؟ » قالوا : نصبر عند البلاء ، ونشكر عند الرجاء ، ونرضى بمواقع القضاء . فقال : « مؤمنون ورب الكعبة » وقيل أحسن الأشياء أن يكون العبد رقيبا على باطنه وظاهره لأن اللّه تعالى رقيب عليه وهو قوله تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] فتكون أنت أيها العبد تراقبه في سرائرك وعلانيتك ، وظاهرك وباطنك ، وحركاتك وسكناتك ، وتعلم أنه رقيب عليك ، وتستحي ممن هو معك ولا تستحي ممن هو أقرب إليك من حبل الوريد . وقيل : المحمود من الدنيا المساجد والمحاريب ، وذلك أن شركاءك فيها الملائكة والنبيون والصديقون وحسن أولئك رفيقا . والمذموم من الدنيا البطن والفرج والكنيف والمزابل وشركاؤنا فيها اليهود والنصارى والمجوس والمشركون والزنادقة وغيرهم . فيدعوك الرب جل جلاله وهو قوله تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [ يونس : 25 ] الآية . وتأبى أنت عليه فيقول اللّه سبحانه : يا عبدي لا تذنب في الدنيا ، رأفة منه لعبده ، فيقول العبد : لا بد لي من الذنوب ، فيقول الرب جل جلاله : عبدي فتب إلي أقبلك على ما كان منك ، فيقول العبد : لا أفعل لأنني مبتلي بالأهل والبطن والفرج ، فيقول الرب جل جلاله : عبدي فكن مكانك حتى أوتيك