ابن الجوزي
275
بستان الواعظين ورياض السامعين
وصاموا نهارا دائما ثم أفطروا * على بلغ الأقوات واستعملوا الكدا أولئك قوم حسّن اللّه فعلهم * وأورثهم من حسن فعلهم الخلدا رجال جالت قلوبهم في الملكوت ، رجال تفكروا في العظمة والجبروت ، رجال استقاموا على عبادة الحي الذي لا يموت ، رجال خطرت على قلوبهم الأشجان ، وأتعبوا النفوس والأبدان ، وتسربلوا الخوف والأحزان ، وأقبلوا على مولاهم كورود الظمآن . شربوا بكأس الزلال مع اليمين ، وتأسوا بسيد المرسلين ، وعملوا أعمال الصالحين ، وأتبعوا سيرة المؤمنين واستقاموا على طريق الهدى والدين . رجال شربوا بكأس الوداد والحب ، فكشف لهم حجب الغيب ، وغفر لهم ما عملوا من ذنب ، فأشعلوا في قلوبهم نيران خوف الملك الرب . رجال أقلقهم خوف الوعيد ، وأنحل أجسامهم التفكر الشديد ، رجال تجنبوا الفواحش والآثام ولذيذ الشراب والطعام ، رجال ليلهم قيام ، ونهارهم صيام ، يطلبون رضا ذي الجلال والإكرام . وأنشدوا : سقوا كأس المحبة فاطمأنت * قلوبهم وهيجها اليقين إلى ملك تحن إليه شوقا * وليس لها إلى أحد حنين يميل بهم هبوب القرب ميلا * كما مالت مع الريح الغصون رجال كحلوا أعينهم بالسهر ، وغضوها عمّا لا يحل من النظر ، وشغلوا خواطرهم بالفكر ، وأشغلوا قلوبهم بالعبر ، رجال أزعجوا أنفسهم عن الأوطان ، ولزموا مساجد الملك الرحمن ، وجالت قلوبهم في علوم القرآن وما واعدهم وتواعدهم به الماجد الديان . وأنشدوا : اختصم الطرف مع فؤادي * فيّ وصارا إلى عناد فقال طرفي أنا ابتليت * بطول ليلي وبالسهاد وقال قلبي أنا المقلا * بالكرب الصعبة الشداد فقال جسمي : قتلتماني * أنا الذي ذبت في الجهاد [ 430 ] الزهاد رجال قد نحلت منهم الأبدان ، وتغيرت منهم المحاسن والألوان ، وخوف العذاب والنيران وشوقا إلى نعيم الجنان . رجال صحبوا القرآن بحسن العمل ، ولم