ابن الجوزي

276

بستان الواعظين ورياض السامعين

يغتروا بطول الأمل ، ونصبوا لأعينهم تقريب الأجل ، وسمت هممهم إلى الرفيع من المحل ، واشتاقت نفوسهم إلى الملك الأعلى الأجل ، فلو رأيتهم لرأيت قوما يتلون كتاب اللّه بشفاه ذابلة ، ودموع وابلة ، وزفرات قاتلة ، وأجسام ناحلة ، وعقول زائلة ، وخواطر في عظمته جل جلاله جائلة . وأنشدوا : للّه قوم شروا للّه أنفسهم * فأتعبوها بزجر اللّه أزمانا أما النهار فقد وافوا صيامهم * وفي الظلام تراهم فيه رهبانا أبدانهم أتعبت في اللّه أنفسهم * وأنفس أتعبت في اللّه أبدانا ذابت لحومهم خوف العذاب غدا * وقطّعوا الليل تسبيحا وقرآنا رجال إذا نظروا اعتبروا ، وإذا سكتوا تفكروا ، وإذا ابتلوا استرجعوا ، وإذا جهل عليهم حلموا ، وإذا علموا تواضعوا ، وإذا عملوا رفقوا وإذا سئلوا بذلوا عونا للوارد ، وتفضيلا للقاصد ، حلفاء صدق ، وكهوف ودق قد عملوا بالسنة والكتاب ، ونطقوا بالحكمة والصواب ، وحاسبوا أنفسهم قبل يوم الحساب ، وخافوا من عقوبة رب الأرباب . رجال لزموا البكاء والعويل ، ورضوا من الدنيا بالقليل ، فأزمعوا إلى الآخرة التحويل ، ورغبوا في ثواب الملك الجليل ، وحنوا إلى النعيم الدائم الجزيل ، وتمسكوا بالسنة والتنزيل ، ومنعوا أنفسهم التسويف والتعليل ، وأشفقوا من هول اليوم العبوس الثقيل ، الهائل المنظر الطويل . وأنشدوا : للّه قوم لدار الخلد أخلصهم * وخصّهم بجزيل الملك مولانا قلو تراهم غدا في دار ملكهم * قد توجوا من حلي الكون تيجانا وقد دعاهم إلى الفردوس سيدهم * إلى الزيارة والتسليم ركبانا على نجائب دركى تطير بهم * والخيل من جوهر والسرج مرجانا حتى إذا جاوزوا دار السلام وقد * أبدى لهم وجهه الرحمن سبحانا خرّوا سجودا فناداهم بعزته * إني رضيت بكم قربا وجيرانا إني خلقت لكم دار النعيم فلا * ترون بؤسا ولا تخشون أحزانا هذا النعيم الذي لا ينقضي أبدا * ولا تغيره الأزمان ألوانا وهو الجزاء لكم مني على عمل * أخلصتموه وكنتم فيّ إخوانا رجال ركبوا فلك السلامة ، وجروا بريح الاستقامة ، فقطعوا بحار العطب