ابن الجوزي

269

بستان الواعظين ورياض السامعين

16 مجلس في قوله تعالى ( اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [ 425 ] [ مثل ضربه اللّه المولى البصير السميع ، لقلب . . . ] مثل ضربه اللّه المولى البصير السميع ، لقلب العبد المؤمن المطيع ، وما أودعه من الإيمان ، والمعرفة في القرآن ، من نور الملك الرحمن . فقال خالق الطول والعرض ، الذي عبد بالنوافل والفرض اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] أي بنوره جل جلاله يهتدي من في السماوات والأرض . ثم قال تبارك وتعالى مَثَلُ نُورِهِ [ النور : 35 ] يعني النور الذي جعل في قلب المؤمن ، وهذا قول جمهور المفسرين كَمِشْكاةٍ [ النور : 35 ] يعني قلب المؤمن ، والمشكاة هي الكوة غير نافذة ، وذلك أن الكوة إن كانت غير نافذة وكان فيها قنديل الزجاج ولا يقال للزجاجة قنديل حتى يكون فيها مصباح وهو السراج ، فإذا كان المصباح في زجاجة صافية في كوة غير نافذة انضم النور واجتمع ولم يجد له منفذا فتكون الكوة أكثر نورا مما لو كانت نافذة ، وهذه مبالغة من اللّه في وصف قلب المؤمن ثم إن اللّه تعالى خلق الخلق ضروبا مختلفة فإذا كانت أنوار المعرفة والإيمان في قلب العبد استدل ونظر بنور اللّه تعالى وأخذته الفكرة في خلق السماوات والأرض وفي عظمة اللّه تبارك وتعالى ، فإذا كان العبد كذلك تمكن من قلبه الخوف فعند ذلك يتبع القرآن والأحكام ، ويتجنب الفواحش والآثام ، من كثرة النور الذي جعله في قلبه الملك العلام . فهذا الصنف الذي أثنى عليه اللّه في كتابه العزيز . فقال اللّه تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ آل عمران : 190 ] ثم نعتهم المولى بالتذكير والتفكير فقال تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ آل عمران : 191 ] إلى قوله : عَذابَ النَّارِ فلما جعل اللّه تبارك وتعالى نور الإيمان في قلوبهم أيقنوا أن اللّه عز وجل خلق السماوات والأرض والليل والنهار والشمس