ابن الجوزي

270

بستان الواعظين ورياض السامعين

والقمر وعلموا بنور الهدى إنما خلق اللّه ذلك ليطاع ولا يعصى ، وعلموا أن الجنة جزاء لمن أطاعه والنار جزاء لمن عصاه . فاستعملوا قلوبهم بالفكرة ، وجالت أبصارهم في مصنوعات اللّه بالعبرة فلا يقدر واحد منهم أن يباشر شيئا من المنكرات ، ولا يضيع شيئا من الطاعات . [ « 426 » ] النور هو الهدى قال بعض أهل العلم : أراد اللّه تبارك وتعالى بهذا النور الهدى ، وليس المراد به نور شعاع ولا ضياء لأن اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بلون من الألوان ، ولا يشبه بملك ولا إنسان ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] وقال بعض العلماء : هذا مثل ضربه اللّه بارك وتعالى في وصف نور محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي هدى به المؤمنين ، واستنقذهم به من موارد الهالكين ، لأن اللّه تعالى رحم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم العباد ، وأنقذهم به من جهنم وبئس المهاد . وأوجب لهم الاقتداء بنور الجنة ، وأعظم عليهم به المنة . ثم قال تعالى فِيها مِصْباحٌ [ النور : 35 ] يعني سراجا ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ النور : 35 ] الآية . فشبه اللّه تعالى القنديل في شدة بياضه وتلألؤه بكوكب دري ، يوقد ذلك المصباح بزيت من شجرة لا شرقية ولا غربية ، أي لا بارزة للشمس كل النهار فتحرقها الشمس بحرها ، ولا غربية أي ولا مستترة بالظل فيوذيها الظل ببرده كل النهار ، ولكنها شرقية غربية تصيبها الشمس بعض النهار ، وإذا كانت الشجرة كذلك فهو أنضر لها وأجد لحملها وأنور لزيتها . ثم قال تعالى : يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [ النور : 35 ] أي ولو لم يسرج به من شدة صفائه . تم الكلام ، ثم ابتدأ تعالى فقال نُورٌ عَلى نُورٍ [ النور : 35 ] يعني نور المصباح على نور الزجاجة وصفاء الزيت . وهذا مثل ضربه الملك الجبار ، لقلوب المؤمنين الأبرار ، قال سبحانه وتعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] فنور الهدى إذا دخل القلب انفسح وانشرح وزالت عنه الأسباب المانعة عنه الضلالة والمعصية فعند ذلك ذكر الجوارح بالأعمال الموجبة لدار

--> ( 426 ) حديث « إن في ابن آدم لمضغة » . البخاري : كتاب الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه ( 52 ) من حديث النعمان بن بشير ، مسلم : كتاب المساقاة ، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ( 1599 / 107 ) .