ابن الجوزي
238
بستان الواعظين ورياض السامعين
14 مجلس في تحريم الخمر وما جاء فيها [ 378 ] [ الخمر في كتاب الله ] قال عبد الملك بن حبيب رحمه اللّه : ذكر اللّه سبحانه وتعالى الخمر في كتابه في ثلاث آيات فذمّها في الإثنتين وحرّمها في الثالثة . فالإثنتان الأولتان منسوختان ، والثالثة الناسخة ، وذلك أنها كانت تشرب في أول الإسلام حتى نزل تحريمها بالمدينة وبعد الهجرة ، فالناسخة قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : 90 ] فهذا تحريم ، وكذلك نهى اللّه في كتابه كله تحريم في كل ما نهى عنه ، كما كل ما أمر به فرض مفترض ألا ترى أنه قرن تحريم الخمر بالأنصاب وهي الأصنام التي كانت تعبد من دون اللّه ، وقد قال تعالى في آية أخرى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] فقد قرن في نهيه بين الخمر والأصنام التي كانت تعبد من دون اللّه تعالى فلما نزل تحريمها بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مناد ينادي في المدينة : ألا إن اللّه قد أنزل تحريم الخمر ، إن اللّه ورسوله يحرمان الخمر . فقال بعضهم - وهم يشربونها - صه صه حين سمعوا المنادي . يقول : اسكتوا حتى تسمعوا ما يقول هذا المنادي ، فلمّا تبينوا منه قوله قالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير . فكفوا عنها وأهريقوا ما بقي عندهم منها ، ثم ندموا على ما شربوا منها وتخوفوا أن يكون اللّه عز وجل قد سخط عليهم ، فأنزل اللّه سبحانه لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ المآئدة : 93 ] . [ 379 ] تحريم الخمر اعلموا أن أول ما عاب اللّه تبارك وتعالى الخمر في سورة النحل في قوله سبحانه وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً