ابن الجوزي

229

بستان الواعظين ورياض السامعين

وتجتنب الأعمال الدنية ولا تردها ، وتكثر البكاء والحسرة ، وتسيل الدموع والعبرة ، وتلزم الفكرة والعبرة ، وتسأل مولاك إقالة العثرة ، فحينئذ يكون صيامك لك من الذنوب شفاء ، ومن العيوب سترة وجلبابا . أين الصائمون ، أين القائمون ، أين الطائعون ، أين العاملون ، أين السابقون ، أين الخاشعون ، أين الذاكرون ، أين القانتون ، أين الصادقون ، أين الصابرون ، أين المتصدقون ، أين الآمرون بالمعروف ، أين المغيثون الملهوف ، أين الناهون عن المنكر أين المستشعرون للفكر ، أين السامعون للعبر ، بادوا واللّه مع الصالحين ، وانقلبوا مع المؤمنين ، ونزلوا مع النبيين ، وسكنوا مع الصديقين ، وبقينا واللّه مع الجاهلين ، وسكنا مع الفاسقين وتأسّينا بالغافلين ، واصطلحنا على معصية رب بالعالمين . فصيامك يا مسكين في وجهك مردود وأنت عن رشدك مغيب مفقود ، وعن صلاحك ونجاحك غير موجود ، وأنت عن باب مولاك مبعد مطرود ، وأعمالك بالفسق موصولة ، وجوارحك للعصيان مبذولة ، وألفاظك في الغيبة مجعولة ، وعزيمتك للطاعة محلولة ، وعبادتك في هذا الشهر غير مقبولة ، وفرائض مولاك بالمعاصي مهمولة . وأنشدوا : الصوم جنة أقوام من النار * والصوم حصن لمن يخشى من النار والصوم ستر لأهل الخير كلهم * الخائفين من الأوزار والعار والشهر شهر آله العرش من به * ( ربّ ) رحيم لثقل الوزر ستار فصام فيه رجال يربحون به * ثوابهم من عظيم الشأن غفار فأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا * من بين حور وأشجار وأنهار فهنيئا لمن أطاع الملك الرحمن ، في شهر الرحمة شهر رمضان ، لقد فاز بالحور والولدان في دار السلام والرضوان . صبروا الأيام القليلة ، فأعقبهم الراحة الطويلة ، والنعمة الجزيلة كلما تعودت من الخير وما تعمل في هذا الشهر ، جوزيت إلى آخر العمر ، فإن الخير عادة ، والشر لجاجة . أين أنت يا صائم يا قائم ، أقبل على الخير تفوز بسرور دائم . تاجر مولاك فإنك تربح وعامله فإنك تفلح ، واعتذر إليه فإنه يقبل عذرك ، واستغفره فإنه يغفر ذنبك ، وارغب إليه فإنه يكشف كربك ، واسأله من فضله فإنه يوسع رزقك ، وتب إليه فإنه يعظم حظك يا أخي هذا شهر تستر فيه القبائح والعيوب ، وتلين فيه النفوس والقلوب ، وتغفر فيه الأوزار