ابن الجوزي

230

بستان الواعظين ورياض السامعين

والذنوب ، وينفس اللّه عن الحزين المكروب ، يقول المولى جل جلاله لملائكته : يا ملائكتي انظروا إلى الألسن اليابسة كيف تبتل بذكري ، انظروا إلى الأحداق الصلبة كيف تدمع من خوفي ، انظروا إلى الأقدام المنعمة تنصب في المحاريب ابتغاء وجهي يا أخي متى أطعمت في هذا الشهر للّه رب الأرض والسماوات رفعت إلى الدرجات العالية في قرار الجنات ، وحصلت مع مولاك مكسيا من الحسنات عريانا من السيئات . [ 366 ] تقسيم الصوم والصائمين والصوم ثلاثة ، صوم الروح وهو قصر الأمل ، وصوم العقل وهو مخالفة الهوى . وصوم الجوارح وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع . يا أخي من صام عن الطعام والشراب فصومه عادة ، ومن صام عن الربا والحرام وأفطر على الحلال من الطعام فصومه عدة وعبادة ، ومن صام عن الذنوب والعصيان وأفطر على طاعة الرحمن فهو صائم رضي ، ومن صام عن القبائح وأفطر على التوبة لعلام الغيوب فهو صائم تقي ، ومن صام عن الغيبة والبهتان وأفطر على تلاوة القرآن فهو صائم رشيد ، ومن صام عن المنكر والإغيار وأفطر على الفكرة والاعتبار فهو صائم سعيد ، ومن صام عن الرياء والانتقاص وأفطر على التواضع والإخلاص فهو صائم سالم ، ومن صام عن خلاف النفس والهوى وأفطر على الشكر والرضا فهو صائم غانم ، ومن صام عن قبيح أفعاله وأفطر على تقصير آماله فهو صائم مشاهد ، ومن صام عن طول أمله وأفطر على تقريب أجله فهو صائم زاهد . قال اللّه تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 184 ] يا أخي هذه رحمة مولاك رضي أن ينقص من حقه لئلا ينقص من نفسك وهذه غاية اللطف من مولاك . رخّص لك أن تفطر الأيام الطوال بالعذر ، ورخّص لك أن تفطر متتابعا ، وتقضي إن شئت متفرقا ليسهل عليك ، وتصوم الأيام القصار عوضا عن الأيام الطوال ، وهذا الرفق . [ 367 ] تمثيل الشهور كأخوة يوسف قيل الشهور الاثني عشر كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام . وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين إخوته ، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب ، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علّام الغيوب .