ابن الجوزي
228
بستان الواعظين ورياض السامعين
وشهر تفتح فيه أبواب الجنان ، ويصفد فيه كل شيطان ، وهو شهر الأمان والضمان . شهر يخفف فيه عن المملوك . تزهر فيه القناديل ، وينزل فيه بالرحمة جبريل ، ويتلى فيه التنزيل ، ويسمح فيه للمسافر والعليل ، شهر رمضان للعباد مثل الحرم في أم البلاد الحرم يمنع منه الدجال اللعين ، ورمضان يصفد فيه مردة الشياطين . شهر رمضان في الدنيا ، مثل الجنان في العقبى ، سدر مخضود ، وطلح منضود ، وظل ممدود ، وملكه خلود ، متصل ليس يبيد ، وفي رمضان بذل المجهود ، ورضى طلب المعبود ، وحفظ الحدود ، وإظهار الكرم والجود . أقبل الصوم يا مسكين ، وكلنا مساكين ، وأنت عاكف على ما يسخط الجبار ، مصر على الآثام والأوزار ، عامل بأعمال أهل النار ، متشبه بالنساك والأخيار ، وأنت في جملة الفساق والفجار ، وقد أطلع على سرك وضميرك عالم الضمائر والأسرار . وشهر الصوم شاهد عليك ، والملائكة تلعنك واللّه لا ينظر إليك ، وهو جل جلاله بإعراضك عن الطاعة معرض عنك غاضب عليك ، فلا تجعل أيها الصائم شهرك هذا كسائر الشهور . واللّه سبحانه ينظر من عبده إذا لم ير أثرا لشهر رمضان من ملكه لجوارحه ، يقول جل جلاله : هذا عبدي لا يعرف لشهري هذا فضلا ، وأنا لا أعلم الآن له عندي فضلا . [ 365 ] عظة بليغة أفق يا ذا الغي والمحال ، واستيقظ يا ذا السهو والإغفال ، وانتبه من السكرات الطوال . أترضى يا مسكين أن يرد صومك في وجهك من غير قبول من اللّه ؟ أتستحسن أن تكون جائعا عطشان وليس لك جاه عند اللّه ؟ أين النية المجردة ، أين التوبة المجددة ، أين الندامة المؤكدة ، أين الحلال من الطعام ، أين اجتناب الطعمة الحرام ، أين حجر الأوزار والآثام أين الرحمة لذوي الفقر والضعفاء والأيتام ، أين الإخلاص للملك العلام ، أين التزام شريعة الإسلام ، أين الأسوة بالنبي عليه الصلاة والسلام ؟ ؟ انظر يا مسكين إذا قطعت نهارك بالعطش والجوع ، وأحييت ليلك بطول السجود الركوع ، إنك فيما تظن صائم ، وأنت في جهالتك جازم ، وفي صلاتك دائم ، وفي بحار سكراتك هائم . أين أنت من التواضع والخشوع ، أين أنت من الذلة لمولاك والخضوع ، أتحسب أنك عند اللّه من أهل الصيام والأمان الفائزين في شهر رمضان ؟ ؟ كلّا واللّه حتى تخلص النية وتجردها ، وتطهر الطوية وتجودها ،