ابن الجوزي

227

بستان الواعظين ورياض السامعين

[ 363 ] كفّ الجوارح عن الشرور عباد اللّه ينبغي لمن أصبح صائما أن يقول للسانه : إنك اليوم صائم من الكذب والنميمة ، وقول الزور والباطل والغيبة ، ولعينيه إنكما اليوم صائمتان عن النظر إلى ما لا يحل لكما ، وللأذنين : إنكما اليوم صائمتان من الاستماع إلى ما يكره ربكما ، ولليدين : إنكما اليوم صائمتان من البطش فيما حرم عليكما من الغش في البيع والشراء والأخذ والعطاء ، وللبطن : إنك اليوم صائمة عن المطعم فانظري على ماذا تفطري وتجنبي المطعم الخبيث الذي تدعين إليه فإن اللّه طيب ولا يقبل إلّا الطيب ، وللقدمين : إنكما اليوم صائمتان من السعي إلى ما يكتب عليكما وزره ويبقى قبلكما تباعته وإثمه . ومن وقف لهذا وصبر عليه فقد أوفى بعهد نبيه صلى اللّه عليه وسلم . ومخاطبة ابن آدم لجوارحه بما تقدم وصفه يجب على العبد استعماله أيام صومه وغيرها ما دام حيا ، وهكذا كلما أصبح صباح أو أقبل مساء وفقنا اللّه وإياكم لاستعمال ذلك وأمثاله بتوبة صادقة مخلصة عاجلة بكرمه . فاللّه اللّه عباد اللّه امتثلوا في هذا الشهر المكرم وفي غيره لأوامر اللّه تعالى وانتهوا عن نواهيه . [ 364 ] أصل رمضان في اللغة قال اللّه تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [ البقرة : 185 ] فما جعله هدى فلا يكون ضلالة ، وما جعله بيانا فلا يكون جهالة ، وما ضعف فيه الأجر فلا تجعلوه بطالة . شهر رمضان ، قيل سمي شهر رمضان لشدة الحر فيه ، وقيل أخذ من حرارة الحجارة لما يأخذ القلوب من حرارة الموعظة والفكرة والاعتبار بأمر الآخرة . قال الخليل : الرمضاء الحجارة الحارة ، ورمض الإنسان إذا مشى على الرمضاء ، فسمي رمضان بذلك لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها ، وقيل سمي بذلك لأنه شهر يغسل الأبدان غسلا ، ويطهر القلوب تطهيرا . وهو مأخوذ من الرمض وهو مطر يأتي قبل الخريف . وقيل رمض ورفض بمعنى واحد وهو من الحروف المتعاقبة ، يرفض قوما إلى محل القربة والزلفى ، ويرفض آخرين إلى محل البعد والسخطة . وقيل سمي شهرا لشهرته . وهو شهر الإيقان ، وشهر القرآن ، وشهر الإحسان ، وشهر الرضوان ، وشهر الغفران ، وشهر إغاثة اللهفان ، وشهر التوسعة على الضيفان ،