ابن الجوزي

215

بستان الواعظين ورياض السامعين

مطهرة من دنس الآثام ، وصيامه أفضل الصيام ، وقيامه أجل القيام . شهر فضل اللّه به أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، شهر جعله اللّه مصباح العام ، وواسطة النظام ، وأشرف قواعد الإسلام ، المشرف بنور الصلاة والصيام والقيام ، شهر أنزل اللّه فيه كتابه ، وفتح للتائبين فيه أبوابه ، فلا دعاء فيه إلّا مسموع ، ولا عمل إلّا مرفوع ، ولا خير إلّا مجموع ، ولا ضرر إلّا مدفوع شهر السيئات فيه مغفورة ، والأعمال الحسنة فيه موفورة ، والتوبة فيه مقبولة ، والرحمة من اللّه لملتمسها مبذولة ، والمساجد بذكر اللّه فيه معمورة ، وقلوب المؤمنين بالتوبة فيه مسرورة . وأنشدوا : أين أهل القيام للّه دأبا * بذلوا الجهد في رضا الجبار أنتم الآن في ليال عظام * قدرها زائد على الأقدار فاستزيدوا من العبادة فيها * تأمنوا اليوم من عذاب النار أين من يركب الذنوب اغترارا * لا يخافون سطوة القهار قد أهل الهلال من رمضان * شهر زلفى وتوبة وادّكار فاذكروا اللّه فيه ذكرا كثيرا * واستجيروه من عذاب النار وارجعوا عن ذنوبكم بمتاب * صادق واقلعوا عن الإصرار رب من كان مسرفا مستمرا * في خطاياه مكثر الأوزار ثم إن الإله تاب عليه * فاقتضى حمده سبيل الخيار فاعملوا أيها المسيئون وادعوا * ربكم جهرة وفي الإسرار واحذروا غفلة القنوط وداووا * داءها بالرجوع للغفار تجدوا اللّه في المعاد كريما * ماحيا للذنوب والإصرار إخواني هذا شهر ليس مثله في سائر الشهور ، ولا فضلت به أمة غير هذه الأمة في سائر الدهور ، الذنب فيه مغفور ، والسعي فيه مشكور ، والمؤمن فيه محبور ، والشيطان مبعد مثبور ، والوزر والإثم فيه مهجور ، وقلب المؤمن بذكر اللّه معمور ، وقد أناخ بفنائكم وهو عن قليل راحل عنكم ، شاهد لكم وعليكم ، مؤذن بشقاوة أو سعادة ، أو نقصان أو زيادة وهو ضعيف مسؤول ، من عند رب لا يحول ولا يزول ، يخبر عن المحروم منكم والمقبول . فاللّه اللّه أكرموا نهاره بتحقيق الصيام ، واقطعوا ليله بطول البكاء والقيام ، فلعلكم أن تفوزوا بدار الخلد والسلام ،