ابن الجوزي
214
بستان الواعظين ورياض السامعين
الليل بداجي الظلام . وحينئذ يصح لك القبول لشهر رمضان ، وتفوز بالنعيم الأبدي في دار السلام ، وتنجو من الأهوال والعذاب الغرام . فليكن - ويحك - بصرك من النظر إلى المحارم معدولا ، وسمعك عن سماع القبيح من القول معزولا وبطنك من أكل الحرام محمولا وقلبك بالفكرة في الحسنات والمعاد مشغولا ، وذكر مولاك وسيدك في لسانك مجعولا ، ومالك في طاعة العزيز الجبار مبذولا : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 36 ] وقد أعلمك مولاك أن الشيطان كان للإنسان خذولا ، فلم خنت عهد مولاك وأمانته وكنت لنفسك ظلوما جهولا . وأنشدوا : قل لأهل الذنوب والآثام * قابلوا بالمتاب شهر الصيام إنه في الشهور شهر جليل * واجب حقه وكيد الزمام وأقلّوا الكلام فيه نهارا * واقطعوا ليله بطول القيام واطلبوا العفو من إله عظيم * ليس يخفى عليه فعل الأنام كم له فيه من إزاحة ذنب * وخطايا من الذنوب عظام كم له فيه من أياد حسان * عند عبد يراه تحت الظلام كم له فيه من عتيق شهيد * آمن في القيام خزي المقام إن دعاه مذلل بخضوع * وخشوع ودمعه ( ذو سجام ) أين من يحذر العذاب ويخشى * أن يصلي الجحيم مأوى اللئام أين من يشتهي التذاذا بحور * في جنان الخلود بين الخيام التمس فيه ليلة القدر واترك * التماسا لها لذيذ المنام واجتهد في عبادة اللّه واسأل * فضله عند غفلة النّوام يا لها خيبة لمن خاب فيه * عن بلوغ المنى بدار السلام يا لها حسرة لمن كان فيه * ساترا شره بثوب الظلام يا إله الجميع أنت بحالي * عالم فاهدني سبيل القوام وأمتني على اعتقاد جميل * واتباع لملة الإسلام [ 342 ] فضل رمضان فاللّه اللّه عباد اللّه اغتنموا شهر المتاب ، وما وعدكم فيه من جزيل الثواب ، ومن العفو عن الأوزار وعتق الرقاب . وهو شهر لياليه أنور من الأيام ، وأيامه