ابن الجوزي

206

بستان الواعظين ورياض السامعين

أقبل وفي يده اليمنى قنديل وفي اليسرى غلّ حتى توسط المقابر ، ثم رمى بطرفه شاخصا وقال : سلام عليكم أهل مضايق اللحود ، ومطعم البلاء والدود ، ما أبعد سفركم ، وما أوحش طريقكم ، فليت شعري ما حالكم ارتهنتم بأعمالكم وقطعتم دون آمالكم ، بل ليت شعري أندم الحياة حل بكم ، أم فرح البشرى بالقدوم على ربكم . سبقتمونا فلبيتم ، وأجبتم قبلنا إذ دعيتم ، ونحن للقدوم عليكم منتظرون ، وللمنهل الذي وردتموه واردون ، فبارك اللّه لنا ولكم على القدوم عليه ، ورحمنا إذا صرنا إلى ما صرتم إليه . ثم نزل في قبر قد احتفره لنفسه فوضع خده على شفير اللحد وجعل ينادي ، يا ويلتي إذا دخلت في قبري وحدي ونطقت الأرض من تحتي فتقول لي : لا مرحبا ولا أهلا ، ولا سعة ولا سهلا بمن كنت أمقته وهو على ظهري ، فكيف وقد صرت اليوم في بطني لأضيقن ( عليك ) أرجائي ، ولأذيقنك مكروه بلائي . ويلي إذا خرجت من لحدي حاملا وزري على ظهري وقد تبرأ مني أبي وأمي . بل ويل من طول كذبي إذا أسمعني منادي ربي أين فلان بن فلانة فأبرزت من بين جيرتي ، وقد بدت إلى الناس سريرتي ، وقمت عريانا ذليلا ، وقاسيت كربا طويلا . ثم أساق إلى أرض القيامة للعرض ، والوقوف بين يدي جبار السماوات والأرض . ويلي إذا وقفت أمام ربي فقال لي : عبدي استترت بمعصيتي عن المخلوقين ، وبارزتني بها وأنا عليك من أكبر الشاهدين ، أفكنت عليك من أهون الناظرين إليك ؟ ثم خرّ مغشيا عليه فلما أفاق رفع رأسه إلى السماء فقال : يا ذخري ويا ذخيرتي ومن هو أعلم بطويتي وسريرتي ، يا من عليه اعتمادي في حياتي ، ومن إليه ألجأ بعد مماتي ، لا تخذلني بعد الموت ، ولا توحشني في قبري يا سامع كلّ صوت ، فلما سمع ابن عباس مقالته لم يتمالك أن سعى حتى وقف على شفير القبر وجعل ينادي ، لبيك لبيك حبيبي ما أنبشك للذنوب والخطايا ، هكذا تنبش الذنوب وتمزق الخطايا . ثم التفت إلى الذي سعى به وقال له : يا عبد اللّه هكذا فاصنع كلما علمت بمثل هذا النباش ، فأرشده إلى ابن عباس ، فما أحبه وآثره لديه ، يا ليت كل النابشين مثله . وأنشأ يقول : قف بنا بالقبور نبكي طويلا * ونداوي بالدمع داء جليلا فعسى الدمع أن يبرد منا * بعض لوعاتنا ويشفى الغليلا وننادي الأحباب كيف وجدتم * سكرة الموت بعدنا والمقيلا