ابن الجوزي
201
بستان الواعظين ورياض السامعين
ماذا لقيتم وماذا بعد قيل لكم * لما فقدتم من الأجساد أرواحا يعزز عليّ بأبدان منعمة * أمسى بها الدود جوّالا وسواحا الناس في غفلة عما يراد بهم * من كان ذا بصر فالصبح قد لاحا [ 328 ] حكاية عن ابن السماك حكي عن ابن السماك رحمه اللّه أنه حضر يوما جنازة فلما نظر إلى القبور بكى وقال لأصحابه : معشر الإخوان ألا متأهب لموت يوصف له يراه أمامه ، ألا مستعد ليوم فقره ونزوله إلى حفرته وقبره ، ألا شاب عازم قد بارز لمنيته ، ألا من ليس يغيره شباب متنه ولا شدة قوته ، الا شيخ قد بادر لانقضاء مدته فشمر السّير فيما بقي من رمقه ، ماذا ينتظر من دفن أباه ، وقرّ أمّه وأخاه ؟ ما فرح من القبر مأواه ؛ والتراب فراشه وغطاه . وأنشدوا : ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة * وبينا الفتى فيها مهاب مسوّد إذا انقلبت عنه وزال نعيمها * فأصبح من ترب القبور يمهد فكن خائفا للموت والقبر بعده * ولا تك ممن غره اليوم أو غد حكي عن بعض الصالحين رحمه اللّه أنه قال : دخلت على مريض وهو في شدة السكرات فقلت له : كيف تجدك ؟ فبكى ثم قال : رحلت عن الدنيا وقامت قيامتي * غداة أقلّ الحاملون جنازتي وعجل أهلي حفر قبري وصيّروا * خروجي وتعجيلي إليه كرامتي كأنهم لم يعرفوا قطّ صورتي * غداة أتى يومي عليّ وساعتي إخواني ما هذا لمن مضى ، بل واللّه لمن مضى ولمن بقي ، لا بد من القبر ووحشته ، ومن الموت وسكرته ، فانظروا لأنفسكم ما دام النظر ينفعكم ، وتفكروا في وحشة القبر ما دام التفكر يباح لكم ، من قبل وقوع السكرة ونزول الحسرة ، وحيث لا تقال العثرة . فإن الأيام غرور ، وهي طريق إلى القبور . وأنشدوا : ما للمقابر لا تجيب * إذا دعاهن اللبيب حفر يسترفوقهن من * الجنادل والكثيب فيهن أطفال وول * دان وشبان وسيب كم من حميم لم يكن * نفسي بفرقته تطيب