ابن الجوزي
197
بستان الواعظين ورياض السامعين
اللّه حب الدنيا من قلبه ، وتبرم ببقائه بين خلقه . فحينئذ يشتاق إلى لقائه . قال : قلت له : أخبرني عن غاية الزهد في الدنيا ، قال : ترك الحلال حتى لا يقع في الحرام ، قال : قلت : أخبرني عن غاية الرضا باللّه تعالى قال : إذا كنت راضيا بكل ما قدر اللّه تعالى وقضاه ، وأحكمه وأمضاه ، وانه هو المتفضل ، على المتقين بفضله ، والخاذل لمن شاء بعدله ، قلت له : أخبرني عن غاية العبادة ؟ قال : تجمع الهموم فتجعلها هما واحدا حتى يستوي عندك العمران والخراب ، وتكون خائفا من اللّه تعالى كأنك تراه ، فإن لن تكن تراه فإنه يراك . قلت له : كيف النجاة من مخالفة الناس ؟ قال : إنما الناس رجلان عاقل وجاهل ، فالعاقل اشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره ، وقام مجتهدا بطاعة ربه فهو لا يلتفت إليك ولا إلى غيرك ، وأما الجاهل فلا يبالي كيف ما كان عليه . فعليك بالبراري والقفار ، والاستئناس بالواحد القهار ، قلت : فمن أين القوت ؟ قال : تهرب إلى اللّه تعالى وقد فتح لك باب التوكل عليه ، ويضيعك حتى تتهمه في رزقك إنه رؤوف رحيم لا يسلمك . ثم تصافحنا وتفرقنا ودعا لي فما رأيت أنور قلبا منه . ووجد على قبر مكتوب : تناجيك أجداث وهنّ سكوت * وسكانها تحت التراب خفوت فيا جامع الدنيا لغير بلاغة * لمن تجمع الدنيا وأنت تموت عباد اللّه ارحموا أنفسكم قبل نزول العذاب فإن القبر لا يرحم من ليس له عمل ، ولا يشفق على من غرّه طول الأمل ، ولا يحن على من ضيع أيام المهل . وأنشدوا : ما حال من سكن الثرى ما حاله ؟ * أمسى وقد صرمت هناك حباله أمسى ولا روح الحياة تصيبه * يوما ولا لطف الحبيب يناله أضحى وقد درست محاسن وجهه * وتفرقت في قبره أوصاله واستبدلت منه المحاسن غبرة * وتقسمت من بعده أوصاله ما زالت الأيام تلعب بالفتى * والمال يذهب صفوه وحلاله [ 324 ] عيسى والمدينة الخربة روي أن عيسى بن مريم عليه السلام دخل مدينة خربة فدخل قصرا من قصورها فنادى : يا خراب الأخر بين أين أهلك ؟ فأجابه شيء من آخر القصر ، يا ابن