ابن الجوزي
198
بستان الواعظين ورياض السامعين
مريم بادوا . فاجتهد ولا تفرط ، فإن العظام قد بليت وبقيت أعمالهم في رقابهم . وأنشدوا : قف بالقبور وقل على ساحاتها * من منكم المغموم في ظلماتها ومن المكرم منكم في قفرها * قد ذاق برد الأمن من روعاتها أما السكون لدى العيون فواحد * لا يستبين الفضل في درجاتها لو جاوبوك لأخبروك بألسن * تصف الحقائق بعد من حالاتها أما المطيع فنازل في روضة * يفضي إلى ما شاء من راحاتها والمجرم الطاغي بها متقلب * في حفرة يأوى إلى حيّاتها وعقارب تسعى إليه فروحة * في شدة التعذيب من لذعاتها عباد اللّه ما لكم لا تفيقون من غفلاتكم ، وتنتهون من نوماتكم ، وتصحون من سكراتكم وتملون من شهواتكم ، وتدعون الكثير من لذاتكم . وتذكرون هول المقابر ، والمصير إلى ضيق الحفائر ، فإن ملك الموت لا يأتيكم إلّا على ألذ ما تكونون من طيب عيشكم ولذة دنياكم فبادروا قبل مبادرته بكم . وأنشدوا : بناء الفتى في لهوه وعنائه * متبختر يختال في لذاته قد غره الأمل الكذوب * فهمه في كل ما يدنيه من شهواته إذ جاءه ملك النفوس بسكرة * تركه ملقى الجسم بين ثقاته فتقطعت أسبابه وتخرمت * وتنكر المعروف في حالاته لا يستجيب لمن دعاه ولا يرى * شقّ الجيوب عليه حين وفاته [ 325 ] ابن عباس وابن الخطاب ذكر في بعض الأخبار أن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما دخل على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يوم قتل فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ، قال : بماذا ؟ قال : آمنت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين كفر به الناس ، وجاهدت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين خذله الناس ، ومات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو عنك راض ، ولم يختلف في خلافتك اثنان ، وقتلت شهيدا ، فقال له عمر رضي اللّه عنه : أعد عليّ ما قلت ، فأعاد عليه فقال : والذي لا إله غيره لو أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت لاقتديت به من هول المطلع فإذا كان هذا قول عمر رضي اللّه عنه إمام السنة ، وحبيب الأمة ،