ابن الجوزي
196
بستان الواعظين ورياض السامعين
لو ينطقون لقالوا الجد ويحكم * جدوا الرحيل فقد آوى المقيمونا الموت أحدق بالدنيا وعزتها * وفعلنا فعل قوم لا يموتونا فابكوا كثيرا فقد حق البكاء لكم * فالحاملون لعرش اللّه باكونا فاللّه اللّه جدّوا في العمل فإن القبر أمامكم ، والموت يطلبكم يفرق ما جمعتم ويخرب ما قد بنيتم بقطع الأنفاس ، وينقلكم إلى ضيق اللحود والأرماس ، فمن قدم إلى القبر عملا صالحا وجده روضة من رياض الجنان ، ومن لم يكن له عملا وجده حفرة من حفر النيران ، فاستعدوا له يا معشر الأصحاب والإخوان . روي عن محمد بن السماك رحمه اللّه أنه قال : مررت بالمقابر فإذا مكتوب على قبر : تمر أقاربي جنبات قبري * كأن أقاربي لم يعرفوني وذو الميراث يقتسمون مالي * وما يألون إن جحدوا ديوني وقد أخذوا سهامهم وراحوا * فيا للّه أسرع ما نسوني ! عباد اللّه أفيقوا من سكرتكم من دار الغرور ، وطاعة الشيطان المثبور ، واعملوا لضيق اللحود والقبور . [ 323 ] حكاية عن أحمد بن أبي الحواري حكي عن أحمد بن أبي الحواري رحمه اللّه أنه قال : خرجت يوما للقبور فذكرت الموت في نفسي والبلاء فرأيت شابا بين القبور قد استفرغه الخوف والبكاء وهو بين القبور منصرف فقلت له : من أين أقبلت أيها الفتى ، فقال : من هذا المبرز ، قلت : وأي شيء قلت لهم ، قال : قلت لهم متى ترحلون ؟ ، فقالوا : حين تقدمون ! . ثم ولى عني وهو يبكى فتبعته فقلت له أين تريد ؟ فقال : ألتمس العيش ، فقلت له : كيف تلتمس العيش بين القبور ! ، فقال : وأي شيء هو العيش عندكم ؟ قلت المال والبنون وأشباه ذلك من اللذات بالنساء والصبيان ، فولى عني وهو يقول : أف لعيش يعقب أحزانا ، وندامة وأشجانا . فقلت : وأي شيء هو العيش عندكم ؟ قال إنما العيش عندنا هو الإقرار بتوحيد اللّه ، والوقوف بفناء اللّه ، والخضوع بين يدي اللّه والتلذذ بحلاوة مناجاة اللّه ، فهناك تزدحم عليك أعلام الفوائد من اللّه تعالى وجميل العوائد قلت له : أخبرني عن الصادق للّه في حبه متى يشتاق إلى لقائه ؟ قال : إذا نزع