ابن الجوزي

195

بستان الواعظين ورياض السامعين

ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا * أين الأسرّة والتيجان والحلل أين الوجوه التي كانت محجبة * من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين ساء لهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طال ما أكلوا دهرا وما نعموا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا فيا معشر الشباب ، تأهبوا للغدو إلى التراب ، فإن الشيخ يكفيه مصيبة الشيب فإنه يمهد للقبر . وأنشدوا : ما للشيوخ وللغد * وإلى الملاهي والبكور وهم غدا أو قبله * أو بعده حشو القبور [ 321 ] نداء القبر لساكنيه عباد اللّه ، ما من أحد لا مؤمن ولا فاجر إلّا وقبره يناديه بكرة وعشية إما بالبشرى والسرور وإما بالويل والثبور ، فمن فكر فيه وفي وحشته ، وضيقه وغمته ، كان عليه أوسع من الدنيا وأفرج منها ، وأبدله اللّه خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله ، وجعل القبر خيرا من داره فأكثروا ذكره في الآناء والأوقات ، وأطيعوا جبار الأرضين والسماوات ، عساه يجعله لكم روضة من رياض الجنات ، ويقيكم فيه الذلّ والحسرات . وأنشدوا : قف بالمقابر واذكر إن وقفت بها * للّه درك ماذا تستر الحفر ففيهم لك يا مغرور موعظة * وفيهم لك يا مغرور معتبر كانوا ملوكا تواريهم قصورهم * دهرا فوارتهم من بعدها الحفر الدود يأكل أقواما منعمة * نعم ومن دونها الألواح والمدر أعن رضاه ذاك عنهم أم على سخط * هيهات ضلّت وحارت فيهم الفكر [ 322 ] بكر بن حماد يحكى عن بكر بن حماد رحمه اللّه أنه خرج يوما إلى القبور وجعل ينظر إلى امتداد القبور ويفكر في الأحباب والإخوان ، والأصحاب والجيران . ثم بكى حتى طال بكاؤه وبلّت دموعه لحيته ثم جعل يقول : زرنا منازل قوم لا يزورونا * إنا لفي غفلة عما يقاسونا