ابن الجوزي

194

بستان الواعظين ورياض السامعين

[ 319 ] حكاية عن الأصمعي يحكى عن الأصمعي رضي اللّه عنه أنه قال : مررت بأعرابي وهو واقف على مقبرة فقلت له : يا أخا العرب ما هذا الموضع الذي أنت فيه ؟ فقال : هذي منازل أقوام عهدتهم * في رغد عيش نفيس ما له خطر صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا * إلى القبور فلا عين ولا أثر عباد اللّه من كان مصيره إلى القبر ما للفرح إليه سبيل ، والقبر يناديه كلّ يوم يقول له : لا بدّ لك مني فماذا قدمت لي من عمل صالح ؟ وأنشدوا : أجار الدهر ليس له جوار * وحسن الظّنّ بالدنيا اغترار إذا ما رمت يوما كان يوما * ونقص البدر غايته السرار ودع حرص الجبان على حياة * وأجمل إنّ عمرك مستعار وذو الآمال منها في غمار * وعند الموت ينكشف الغمار ويرجو المرء أن يبقى سليما * ويأبى الليل ذلك والنهار وهل تخطي المنية نفس حيّ * وهاديها رواح وابتكار [ 320 ] حكاية عن الحسين قيل كان الحسين رضي اللّه عنه إذا رأى القبور قال : ما أحسن ظواهرها وإنما الدواهي في بطونها . فاللّه اللّه عباد اللّه لا تشتغلوا بالدنيا فإن القبر بيت العمل ، فاعملوا ولا تغفلوا وأنشدوا : يا من بدنياه اشتغل * وغرّه طول الأمل الموت يأتي بغتة * والقبر صندوق العمل أخي : لو رأيت الميت في قبره بعد ثلاثة أيام لاستوحشت من فقده بعد طول الأنس بناحيته ، ولو رأيت كيف تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخرقه الديدان مع تغير الريح وبلاء الأكفان بعد حسن الهيأة وطيب الريح ونقاء الثوب . وأنشدوا : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل واستنزلوا من أعالي عز معقلهم * واسكنوا حفرا يا بئس ما سكنوا