ابن الجوزي

189

بستان الواعظين ورياض السامعين

والحيطان حين أخرج من جحري فهداني اللّه للإسلام وعلمني أربع سور من القرآن فشرح اللّه صدري بها ونوّر بها قلبي ، فلما زوجتني هذه الجارية نظرت إلى فراشها وإلى حسنها وجمالها ولم أر فراشا قط منذ كنت ، ونظرت إلى سراج يزهر ولم يكن لي سراج قط ، ونظرت إلى هذه الحالة فتدبرت إحدى سوري الأربع فزهدني اللّه فيها وما عندها ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأي سورة هي ؟ » قال : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ كَلَّا سَوْفَ [ التكاثر : 1 ، 2 ] ثم بكى وبكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فلما هدؤوا قال الشاب : يا رسول اللّه خصني منك بدعوة ، فقال : « اللهم اغفر له الكثير ، وأشكره على اليسير ، واغنه برحمتك » فلم تأت عليه جمعه حتى قيل للنبي صلى اللّه عليه وسلم أن الشاب قد مات ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا إله إلّا اللّه إذا فرغتم من غسله أخبروني » فأخبروه صلى اللّه عليه وسلم فقال صلى اللّه عليه وسلم : « هنيئا لك الجنة » ثم سأل زوجته هل نال منها شيئا ، قالت : لا والذي بعثك بالحق نبيا ما نال مني شيئا . [ 313 ] حكايات عن الصالحين في الخشية من اللّه قال ميمون بن مهران : دخلت على عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه وهو يقرأ : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [ التكاثر : 1 ، 2 ] فقال : إنما يزورون المقابر بالموت ، ولا بد لكل زائر أن يعود لوطنه من جنة أو نار . وقال زر بن حبيش عن علي رضي اللّه عنه قال : كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ [ التكاثر : 1 ] يقول شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد عن ذكر اللّه وطاعته ، واللهو ما شغل . وأكثر ما يقال في البطالة : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [ التكاثر : 2 ] بيوتكم . ويقال إن حيين من قريش تفاخرا وتعاددا بالأموات كان منا فلان وكان منا فلان ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 3 ] يقول سوف تعلمون إذا متم ثُمَّ كَلَّا [ التكاثر : 4 ] يقول ثم كلا سوف تعلمون في قبوركم وهو وعيد مع وعيد فمعنى الأول غير معنى الثاني وليس ذلك بتكرير . قال الفراء : والكلمة قد تكررها العرب على التغليظ والتخويف . فهذا من ذلك . ثم قال : كَلَّا أي كلا لا يؤمنون بالوعيد ، ثم استأنف وقال : لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [ التكاثر : 5 ] يقول محض اليقين ، وهو الذي لا شك أعلمكم أنكم سترون الجحيم في الآخرة كقوله : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى [ النازعات : 36 ] فالتكرار في قوله تعالى : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ [ التكاثر : 6 ] في القيامة إذا برزت ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ [ التكاثر : 7 ]