ابن الجوزي

187

بستان الواعظين ورياض السامعين

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحبه : أطعمنا بسرا فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، ثم دعا بماء بارد فشرب وشربوا ثم قال : « لتسألن عن هذا يوم القيامة » فأخذ عمر العذق وضرب به الأرض حتى تناثر البسر ، وقال له : يا رسول اللّه إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال : « نعم إلّا كسرة تسد بها جوعتك ، وخرقة تلف بها عورتك ، وجحر تدخل فيه من القر والحر » علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل اللّه العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم ، وهو قوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 36 ] قال اللّه تعالى : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ [ التكاثر : 1 ] قيل معناها ألهاكم التكاثر في الدنيا بجمع الحطام ، واكتساب الآثام ، والتمادي في الإجرام . وأنشدوا : أرضيت دارا لا بقاء لها * تعد الشرور وتنصب الفتنا ما يستقيم سرور صاحبها * حتى يعود سروره حزنا عجبا لها لا بل لموطنها ال * مغرور حين يعدّها وطنا فالحمد للّه اللطيف بنا * ستر القبيح وأظهر الحسنا ما تنقضي عنا له منن * حتى يجدّد بعدها مننا يا أخي اشتغلت باللذات ، وأفنيت عمرك بالترهات ، وعصيت إله الأرض والسماوات ونسيت بيوت الوحشة والحيرات . فيا له من بيت ما أظلمه ، ومن صندوق ما أغمه . منزل الوحشة ، وبيت الغمة والوحدة . وأنشدوا : وربما عوقص ذو صحة * أصح ما كان ولم يسقم يا واضعا للميت في قبره * خاطبك القبر ولم تفهم حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [ التكاثر : 2 ] بيوت الوحشة ، ومنازل الضيق والغمة في ضيق وكربات ، وغم وحسرات ، وأهوال مقطعات . من ظلمات القبور ، وسؤال منكر ونكير ، والخلود في البرزخ إلى يوم النشور ، فانظر لنفسك أيها المغرور ، فإن القبر له شأن يتلوه شؤون وأنشدوا : لا تغرنك الحياة وقدم * واحذر القبر إنّ للقبر شانا إنّ فيه لمّا يحاذر ذو الل * ب إذا كان ذا تقى ومعانا