ابن الجوزي

169

بستان الواعظين ورياض السامعين

في الموت ألف فضيلة لو أنها * عرضت لكان سبيله أن يعشقا [ 287 ] قبض أرواح الصالحين ذكر في بعض الأخيار عن بعض السلف الأخيار عن النبي المصطفى المختار أن اللّه عز وجل إذا أراد قبض روح عبده الكريم عليه ، وهو التقي لأنه بالتقوى كرم عليه ، دعا بملك الموت فقال : اذهب يا ملك الموت إلى عبدي فلان فأتني بروحه ليرتاح عندي فحسبي من عمله أني قد بلوته في السراء والضراء فوجدته حيث أحب ، فيذهب ملك الموت فيأخذ من مسك الجنة الأذفر وحريرها الأبيض فيهبط به ويهبط في أثره خمسمائة ملك ليس منهم ملك إلّا ومعه بشارة من اللّه تعالى إلى ذلك الولي ، وليس منهم ملك يدري ما مع صاحبه من البشارة ، وليس منهم ملك إلّا ومعه صبائر من الريحان - يعني حزما من الريحان - من ريحان الجنة ، فإذا هبطوا أحدقوا بولي اللّه ، وجلس ملك الموت عند رأسه ونفث في وجهه سم الموت فصرعه ويقول له : يا ولي اللّه ارتحل من الدنيا فليست لك دار وليست لك بوطن ولا بد لك يا ولي اللّه أن تذوق كما ذاق إخوانك من قبلك ، قال : فملك الموت ألطف باستخراج نفسه من الوالدة بولدها . فإذا أذنت نفسه بالخروج وكانت عند ذقنه أكب عليه الذين جاؤوا مع ملك الموت وهم خمسمائة ملك يخبرونه بالبشارة التي ارسلهم اللّه بها إليه ، وليس منهم ملك إلّا وهو يضع على كل طائفة من جسده من صبائر الريحان الذي جاؤوا به ، فإذا خرجت نفسه لفها ملك الموت في ذلك الأبيض والمسك الأذفر ، ثم يعرج بها إلى السماء وتثبت الملائكة الذين بشّروه عند جسده عند أهله . [ 288 ] ملائكة الرحمة فإذا دنا من السماء تلقاه جبريل عليه السلام في سبعين ألف موكب من الملائكة فأخذ الروح منه جبريل عليه السلام فعرج به حتى يضعه بين يدي الجبار تبارك وتعالى ، فيقول جل جلاله وتعالى - ليس كمثله شيء - لجبريل عليه السلام : اذهب فدع ولي اللّه في سدر مخضود وطلح منضود . فإذا حمل الرجل إلى سريره هبط خمسمائة ملك آخرون سوى الذين جاؤوا مع ملك الموت فيجلسوا صفين ما بين منزله إلى قبره يستقبلون جنازته بالاستغفار ، وإذا أدلي في قبره وحثي عليه التراب وولى القوم جاءته الصلاة فكانت عن يمينه ، وجاءه الصوم فكان عن شماله