ابن الجوزي

161

بستان الواعظين ورياض السامعين

وجررت أذيال البطالة لاهيا * كأنك لم يكتب عليك ذنوب أمليت كتّاب الشمال صحائفا * بكثرة ما تأتي ولست تتوب ومهما يغب عنك الحمام لمدة * ستبلغها حتما وأنت كئيب فقل لي إذا وافى على غير أهبة * بأي جواب إن دعيت تجيب فاللّه اللّه عباد اللّه عظوا أنفسكم بآبائكم وأحبابكم ، وجيرانكم وإخوانكم ، فإن في ذلك بلاغا لم تذكر ، وعبرة لمن تفكر ، إخوانكم كانوا بالأمس معكم يأكلون ما تأكلون ، ويلبسون مما تلبسون ، فأصبحوا اليوم وقد صارت القبور لهم بيوتا ، وصاروا بين أطباق الثرى خفوتا قد قسم الوارث أموالهم ، ونكح العدو والصديق عيالهم ، وأهان العدوّ أطفالهم . قد هتكت منهم الأستار ، واستوحشت منهم الديار ، وتحدثت عنهم الأخبار . وأنشدوا : رأيت الموت لا يبقي خليلا * على خل وإن عاشا زمانا فكن منه على حذر فإني * رأيت الموت لا يعطي أمانا أنسنا غرة منه كأنا * بما نعني به يعني سوانا وكم للموت من دار ودار * أبان عميرها عنها فبانا فكم ذي نخوة وعزيز قوم * أذلّ الموت عزّته فهانا كأنا قد نظرنا عن قريب * إلى ما قد وعدناه عيانا [ 276 ] شدة الموت روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه ذكر الموت وغمه وكربه فقال : « هو أشد من ثلاثمائة ضربة بالسيف » فيا معشر الموقنين بنزوله ما هذه الفترة ، وما هذه السكرة ؟ من ذكر الموت قلّ فرحه وحسده ورغبته . روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا رأى فترة أو غفلة من الناس وقف بباب المسجد فأخذ بأعضاد الباب ثم صاح بأعلا صوته : « يا أيها الناس الموت الموت جاءكم الموت بالوحية سعادة أو شقوة ، جاءكم الموت بما جاء به بالروح والراحة والكرامة الرابحة ، في جنة عالية ، لأولياء اللّه من أهل دار الخلود الذين سعيهم لها ورغبتهم فيها ، ألا إن لكل ساع غاية وغاية كلّ ساع الموت ، جاءكم الموت بما جاء به بالخزى والندامة ، والمكرمة الخاسرة في نار حامية لأولياء الشيطان من أهل