ابن الجوزي
162
بستان الواعظين ورياض السامعين
دار الغرور الذين سعيهم لها ورغبتهم فيها ، ألا إن لكل ساع غاية وغاية كل ساع الموت ، فسابق ومسبوق . فاللّه اللّه يا إخواني كونوا من السابقين ولا تكونوا من الخاسرين ، وكونوا من الموت على تحقيق ويقين . وأنشدوا : أراك بما ترضى به النفس والهوى * ويغضب منه اللّه صرت تدين وقلبك لا يزداد إلّا قساوة * فداركه بالذكرى عساه يلين فإن كنت في شك من الموت فاعتبر * بمن قد مضى يزداد منك يقين كأني بك استغرقت في غمراته * وجاءك من بعد الحراك سكون وقد حشرجت في الصدر منك وأسلبت * بأدمعها تجري عليك عيون فقل لي إذا وسّدت ويحك في البلى * وهيل عليك الترب كيف تكون ؟ ! [ 277 ] تمني الموت عباد اللّه تذاكروا أعماركم قبل الفوت ، وتأهبوا لأهوال غصص الموت . روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تتمنوا الموت فإن هول المطلع شديد ، وإن من سعادة المرء أن يرزقه اللّه تعالى الإنابة إليه ويطيل عمره » فإنا للّه وإنا إليه راجعون على من طال عمره وساء عمله ولا تنفعه الموعظة ، فمن كان منا كذلك فقد عظمت خسارته ، وما ربحت تجارته . وأنشدوا : نودي بصوت أيما صوت * ما أقرب الحيّ من الموت كأن أهل الحي في غيّهم * قد أخذوا أمنا من الموت كم من صحيح عامر بيته * لم يمس إلّا خارب البيت كم وكم حي بكى ميتا * فأصبح الحيّ مع الميّت [ 278 ] دعاء مجرب اللهم يا أكرم الأكرمين ، تفضل علينا وعلى جميع المذنبين ، بتوبة تنقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة ، وثبتنا عليها حتى تخرجنا من الدنيا بلا ذل ولا تباعة ، على منهاج أهل السنة والجماعة الذين أوجبت لهم الرحمة والشفاعة ، اللهم إن الطاعة بقدرك والمعاصي ، وفي قبضتك القلوب والنواصي ، فطهر قلوبنا بماء